إرث الحديقة والرحيل

وضعتُ الكأس على تلك الطاولة المهترئة والمليئة بالغبار والأوساخ العالقة بين جدران هذه الحجرة، نظرتُ إليها بتمعن، وكأن البشرية لم تكن هنا يوماً. شعرتُ بأن هناك شيئاً يخفيه هذا الغبار، فربما إرثي لا يزال يسري في عروق هذه اللحظة.


لم يكن لدي وقت طويل لأعيش كل لحظاتي الجميلة؛ فقد بلغتُ الأربعين عاماً وأنا أحفظ إرثي بين أرجاء حجرتي الصغيرة. لم يكن لدي سوى ذلك الوقت الضائع الذي عشت فيه، حتى اسمي لم أنل منه نصيبي؛ "سعيدة"، لأنني لا أستطيع العيش على أرض الواقع وأنا أشعر بالسعادة! لقد فقدتُ من الحياة أكثر مما أملك الآن، ورحل كل من كانوا يعرفونني في هذا المكان. حديقة منزلي كانت جميلة، لكنها أصبحت الآن في غاية الجفاف.

خرجتُ أتنزه في حديقتي التي كانت شبيهة بالخضراء يوماً؛ أوراقٌ متساقطة في كل زواياها، وكرسيٌّ تراكمت عليه آثار رياح شديدة الحرارة والصدأ، وقد انغرست قوائمه داخل التربة. مرت الأيام ولا زلتُ مستمرة في محاولة البقاء طوال الوقت والعيش هنا. وبينما كنتُ شاردة الذهن في هول الأمور من حولي، قاطعني صوت أحدهم!

التفت رأسي يميناً باتجاه الصوت، فإذا بها فتاة في عمر الزهور قادمة نحوي. هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها أحداً يُقدم إليّ؛ فاختلطت البهجة والدهشة في آن واحد. التجاعيد تملأ وجهي، وعيناي ذابلتان من سوء التغذية، لقد مرت السنوات الأخيرة من عمري ولم أكن أعلم بأنني في أواخر حياتي سأرى بشرياً يأتي إلى هذا المنزل.


تقدمت الفتاة بخطوات واثقة، وعيناها اللامعتان تعكسان مزيجاً من الفضول والتعاطف. توقفت على بعد خطوات مني، ونظرت حولها بتمعن، ثم قالت بصوت هادئ:

"مرحباً، هل أنتِ السيدة سعيدة؟ لقد سمعتُ الكثير عنكِ من الجيران، وتساءلتُ إن كان بإمكاني مساعدتكِ في شيء."

نظرتُ إليها بتردد؛ لم أعتد على وجود الغرباء هنا، وشعرتُ بمزيج من الارتياح والقلق. ارتسمت على وجهي ابتسامة خفيفة وقلت بصوت مبحوح: "مرحباً، نعم أنا سعيدة. ولكن لا أعتقد أن هناك شيئاً يمكن لأحد أن يفعله هنا."

اقتربت الفتاة ببطء، وبدأت تتفحص المكان من حولها، ثم قالت برقة: "أعتقد أن كل مكان يحمل قصة، ولكل قصة قيمة. ربما يمكننا معاً أن نعيد لهذه الحديقة بعضاً من بريقها القديم."

كانت كلماتها تمسّ شيئاً في داخلي، فشعرتُ ببارقة أمل تنبض في قلبي المتعب. ربما تكون هذه الفتاة هي اليد التي ستعيد الحياة إلى هذا المكان. قلتُ بعد لحظة من الصمت: "إذا كنتِ تظنين أن بإمكانكِ مساعدتي، فأنا مستعدة لتجربة ذلك."

ابتسمت الفتاة ابتسامة عريضة، وبدأنا معاً في تنظيف الحديقة خطوة بخطوة. كانت الحديقة تستعيد ببطء جمالها السابق، ومع كل ورقة تسقط، ومع كل زهرة تنمو، شعرتُ بأن الحياة تعود ليس إلى الحديقة فحسب، بل إلى قلبي أيضاً.

مرت الأيام ونحن نعمل معاً، وتعمق شعور الأمل في داخلي، وبدأتُ أشعر بأن الحياة تمنحني فرصة جديدة. وذات يوم، بينما كنا ننهي زراعة بعض الزهور الجديدة، قالت الفتاة: "هناك شيء يجب أن تعرفيه يا سعيدة."

توقف قلبي للحظة، ونظرتُ إليها بعينين مليئتين بالفضول والقلق. استنشقت الهواء العليل، وقالت: "أنا لستُ هنا بمحض الصدفة... أنا حفيدتكِ!"

تجمدتُ في مكاني، غير قادرة على استيعاب الكلمات. كنتُ قد فقدتُ ابنتي الوحيدة في حادث منذ سنوات، وكنتُ أعتقد أن كل من كان مرتبطاً بها قد اختفى من حياتي. تجمدت الدموع في عيني وأنا أحاول أن أفهم ما تقوله.

تابعت قائلة: "نعم، أنا ابنة ابنتكِ. لقد جئتُ لأبحث عن جذوري، ولأعيد الحياة إلى إرثكِ."

تدفقت الدموع على وجهي، ولم أتمكن من الكلام. تقدمت الفتاة نحوي واحتضنتني بشدة. كان حضنها مليئاً بالدفء والأمل والحب، وشعرتُ وكأنني استعدتُ جزءاً من حياتي التي فقدتها منذ زمن بعيد.

لكن في تلك اللحظة الصادمة، تذكرتُ شيئاً؛ تذكرتُ أنني تركتُ وصية في درج مكتبي كتبتُ فيها إنني سأترك كل ما أملك لمن يعيد الحياة إلى الحديقة، فقد وعدتُ نفسي بأنني سأغادر هذا العالم بسلام إذا ما تحقق هذا الوعد.

وفي تلك الليلة، بعد أن عادت حفيدتي إلى منزلها، شعرتُ براحة غامرة وأنا أستعد للنوم. استسلمتُ للنوم العميق، وفي صباح اليوم التالي، وجدوني قد رحلتُ بسلام، مع ابتسامة هادئة على وجهي، كأنني كنتُ أخبر العالم أنني أخيراً شعرتُ بالسعادة ووجدتُ الراحة.



بهذه النهاية المفاجئة، أُسدِلَ الستار على حياة مليئة بالألم والتحديات، لكنها كانت أيضاً مليئة بالأمل، والحب، والفرص الجديدة.


#مداد_الرها


تعليقات

المشاركات الشائعة