أهلاً بكم في مداد الرها، مساحة للأدب والكلمة الجميلة.
لكل كلمة بداية، ولكل بداية حكاية.
وهنا تبدأ رحلة مداد الرها، رحلة تؤمن بأن الحروف ليست مجرد رموز، بل جسور تعبر بنا نحو المعنى والجمال والأثر الباقي.. #مداد_الرها
فعلاً الهوامش تليق بنا... نحن النصف الذي نريد أن نقوله ولا يُكتب، المنزوون في صخب الحفلات الراقصة نداعب فناجين الشاي، كتلك الرواية التي لم تحتضنها الكتب وظلت أسيرة مسودات الراوي المنسية، كفكرة عبقرية ظلت حبيسة عقلٍ نبيه تطير في فقاعة خيال بعيد.
نحن نلتحف الجدران ولا نغوص وسط الحشود، كنسمة دافئة نحن وسط عاصفة الصقيع، ورائحة زهرة كاميليا منفردة في محطة قطارات مشحونة بالأدخنة، غرباء كقهوة مرة محبَّبة، كقصيدة هجاء لمعشوق، وهمسة وداع لميت، كتنهيدة يائس ورجفة في خضم النحيب. بذلك الهدوء خُلقنا، لم نودَّ أن نُذكر إلا في رسائل الوداع... فنحن مشتاقون لأن نبتعد قليلاً، أن ننخلع حتى من ذواتنا ونتخلص من جذورنا كاملة ونلاحق الطير لتحتضننا السماء هناك حيث ننتمي، فالغيوم تشبهنا، هشة لكن لا تعترض سبلها الجبال بشموخها، انتصاراتنا هزائم خرجنا منها لنعيش، ولم نُفهم لا من قريب ولا من بعيد.
وهل يُلام أحدهم إن لم نُفهم نحن من ذواتِنا؟
ولم نجد الملجأ بعيداً كان أو قريباً...
وهل للهارب من ذاته ملجأ؟...
ما كللنا الثرثرة لأقلامنا لعلّه ينزاح عنا ثقل ريشة، فأعمارنا غمرها سيل من الأيام الصعبة ولكنها استقامت كدمية القش بحقل الذرة، ليست أهم ما في الحقل لكنها في الأخير هي من صمدت بعد العاصفة، بابتسامة!
———————————
كلما هبّت الريح لحّن جرس الحديقة وأعاد الذكريات بلحنه..
كلما هبّت الريح حرّكت الأشجار ونثرت أوراقها التي تتطاير مثل الحساسين من حولي..
أبي في الصالة.. وأمي تُعِدّ الشاي لنتجمع حول المدفأة.. كنا نفرح أنا وإخوتي عندما ينشغل أبي عن شقاوتنا.. بالكاد يهلكنا التعب لننام في وقت ليس بمتأخر..
هكذا يا أبي كل شيء تلاشى.. ولم يتبقَّ من فرح العمر إلا الصور.. فقد كبرنا ونهشنا الزمن.. وجفّت أزهار الحديقة.. وسقط جرس الحديقة.. وقد تآكل الممر وهو يحنّ لـوَقْعِ خطانا وأصواتنا السعيدة.. هكذا يا أبي.. قد مسحتَ على رأسي لأنام بالأمسِ.. بالأمسِ كنتُ آمنة واليوم ضائعة.. ونافذة الطفولة؟ يا حسرةً عليها، فكلما جئت أسألها عن فناء العمر ألفيتها لا تُجيب وتجهش قبلي..
والرياح هبّت من جديد وتطايرت الأوراق مرة أخرى.. ولكن هي وحدها الآن... وحدها..!
