زوايا الغبار الأبدي
نهضت والحزن يتدفق من قلبي إلى عينيّ البريئتين من كثرة البكاء، ولم أشعر بالأمان خلف تلك الدموع، تدفقت دموعي هباءً حتى أصبحت بلا مشاعر، من سيشعر بما أمر به من الداخل؟ ولم يعد هناك أي أمل في الهروب من هذه الحياة البائسة، الحياة أصبحت جحيماً بالنسبة لي، تركني والدي وذهب من هذه الدنيا، ولم يترك لي شيئاً حتى أستفيد منه غير تلك السيارة الرثة منذُ عهدٍ قد مضى، وهي في كل مرة تتعطل عليّ في منتصف الطريق، لم أجد أي شيء غير ضياع وقتي بالأشياء التافهة وبلا فائدة، كنت أشعر أنني لازلت صغيراً وأنه لن أستطيع العيش دون انشغال يملأني بالفراغ الذي أعيشه، من وقت لآخر أجد نفسي بين العديد من الصفحات المطوية والقديمة المليئة بالغبار الأبدي، إلى متى سأظل كالفراشة الملونة؟ أحب القراءة والكتابة كثيراً، أرغب دائماً في الحصول على مكانٍ يمكنني أن أعيش فيه بأمان وراحة تامة.
بينما كنت أخطط للذهاب إلى مكان ما، شعرت بالكسل والإرهاق، نظرت من تلك النافذة الصغيرة المليئة بالغبار المتراكم، شعرت أنها بحاجة إلى تنظيف عميق، أعيش في ملحق صغير خارج منزل المؤجر، ليس لدي عائلة أو أقارب، أنا أعيش في هذا المكان الذي يحتويني، لقد استأجرته حتى أتمكن من البقاء فيه لفترة طويلة، في كل مرة أبحث فيها عن إيجار لشقة سكنية عقدها يكون طويلاً، أشعر بالتعب من كوني بائساً ووحيداً في هذه الحياة. فالوحدة ليست مجرد وسيلة للتغيير أو حتى تحقيق الأهداف بدون شخص ما، بل صفحة من حياتك إنها تُكوّن علاقات جديدة بين مجتمع اجتماعي من شتى أنحاء الوطن، لكن أنا تعبت من سير المواصلات والبنزين والكهرباء والمياه وغيرها من مصاريف العمل والمأوى والإيجارات، في كل مرة أغير المكان الذي اعتدت عليه، اليوم انطردت من شقتي بعد سنوات طويلة عشت فيها، لكن ما السبب؟ رغم أنني وحيد ولا أسبب الإزعاج؟ لقد فهمت بعدما قال لي بملامحه المتعصبة: "أنت شخص وحيد وكئيب ولا جدوى منك حتى من تسليم الإيجار بوقته، سوف أؤجر شخصاً آخر هذه الشقة، فلا أريد رؤيتك من بعد الآن".
رددت بقولي والحزن بقلبي: "ولكن كيف لك أن تطردني من بعد هذه السنوات التي بقيت فيها واعتدت على المكان؟ منذُ استأجرت شقتك وأنا منتظم في التسليم".
"يا إلهي كم أنت تثرثر بلا فائدة، خذ أغراضك واغرب عن وجهي من هذا المكان".
الصمت اعتلى روحي وجمعت أغراضي مغادراً من هذا المكان الذي لطالما كنتُ قد عشت فيه القسوة والذل وكل شيء... لدي عملي الذي أوصل فيه طلبات الناس من المطاعم، لكنه حتى لا يكفي جوع آخر الليل، لا راتب يكفي كل مصاريفي، من بعدها بحثتُ عن شخص يشتري السيارة لم أجد من يشتريها، الأبواب بدأت تنغلق بوجهي، وشعرت بأنني محطم كلياً، أين أذهب في هذا الوقت من الليل؟ لا أحد أعرفه يحتويني.
نظرت يميناً ويساراً وأُغلق الباب في وجهي، كان الطقس بارداً وكانت الليالي مظلمة في هذا الوقت، جمعت أغراضي التي كانت بجانب باب المبنى وأخذتها إلى سيارتي، وهم ما بقي من ميراث والدي، لقد مات وتركني أعاني في هذه الحياة، ركبت السيارة واتكأت على المقعد، وسحبت ملابسي إلى جسدي من أجل تدفئة نفسي، شغلت السيارة للبحث عن مكان للمبيت فيه ليلاً، وبينما كنت أتسكع بين المباني والأسواق، نظرت إلى تلك الزاوية من أحد المباني الصغيرة، وكأن خلفها شيئاً ما، أضوءاً أم مشعل نار؟ أوقفتها ونزلت لأرى ما هو هذا الشيء، اقتربت من المكان وقلبي يملؤه الخوف والتفكير، أتساءل هل يوجد أحد هناك؟ وبينما كنت أتجول في الطريق بهدوء وصلت إلى ذلك النور ولكن!!
لقد كانت مجرد حاوية مملوءة بالحطب المحترق والرائحة الكريهة تملأ المكان، أسرعت عائداً إلى سيارتي وظننت أنني سأبقى فيها حتى طلوع الفجر وأرى ما يحدث لي...
في اليوم التالي ذهبت مرة أخرى لبيع سيارتي الرثة والمهترئة، لشراء سيارة يكون سعرها أقل مما أتوقعه، أريدها سيارة أسكب البنزين فيها وأستبدله بالديزل فهو أقل تكلفة من البنزين الأخضر، كل شيء أصبح باهظ الثمن ولم يعد بالإمكان الحصول على أفضل الأسعار، ووصلت إلى معرض السيارات:
"أريد بيع هذه السيارة بأكبر تكلفة".
"سيارتك مهترئة وقديمة وذات طراز قديم، كيف لك أن تفكر حتى بأنها ستجلب لك قيمة؟".
"هذه السيارة التي تقول عنها (مهترئة ورثة) هي من أفضل السيارات المستخدمة منذ عام 1987 من الميلاد".
بضحكة ساخرة: "أيعقل بأن هذه السيارة غالية التكلفة؟ لا أظن، فقط اذهب وانصب على غيري لكي أشتري منك هذه القمامة".
صمدت وغادرت المكان، والتساؤل يراودني: "أيعقل بأن والدي نصب عليّ بهذه السيارة وتركها لي دون فائدة؟!".
كنت محبطاً للغاية، شعرت بأنني سأصبح متشرداً ولن أجد حتى عملاً لكي أكسب منه المال، بينما كنت أشعر بأن الحياة قاسية عليّ، ركبت سيارتي وسرت في الطريق العام، كان الليل طويلاً ومسامرته بعيدة عن المكان الذي لطالما كان موجوداً فيه، مشيت في طريق دون توقف في أي مكان، بينما كنت أشعر بأن كل شيء مجرد عبث بحياتي الشخصية، نفسيتي المزعجة والتقلبات العاطفية السيئة بسبب عدم قدرتي على قول "لا" انجراف معاكس لنفسي بدون أي فائدة لي، الأمر مثل البحر الميت الذي لا يستطيع الإنسان صيد السمك فيه؛ لأنه ليس هناك سمك بداخله، فأنا لست متأكداً حتى من وجود ذلك بعمق روحي، لحظة إدراكي متأخرة للغاية، فراشاتي الزرقاء عبثوا بها فتطايرت متلاشية دون أجنحة تلملم جمالها، ألواني الزاهية بهتت إلى الأبد، عيناي البندقية تلطختا بالدموع المستمرة من الأحزان والآلام والهموم، همسات محاصرة تُقيدني بالماضي البعيد، حينما كنت في غفلة من أمري لم أكن في وعي تام، دقات قلبي انحرقت من شدة الحزن، صرخات تُعيدني إلى ما لا نهاية.. بعد لحظات من العتاب والهواجس، سمعت صوت سيارة مسرعة خلفي تقترب مني، حاولت أن أتدارك الأمر بهدوء، لكن مسيرها كان مسرعاً للغاية، مسكت فرامل السيارة لعلي أبتعد عنه ثم اصطدمت بي خارج الطريق مباشرةً، شعرت بأنني على وشك الموت، كانت لحظة سقوط السيارة وانقلابها مثل الحلم قد شعرت به ثم تدحرجت دون توقف، أتذكر حينها شعوري بالسعادة بأنني سأموت وأرتاح من هذه الحياة..
لا أتذكر ما الذي قد حدث لي غير أنه بعد مرور فترة وجيزة سمعت صوت الإسعاف وسيارة الشرطة، بينما كان شريط الذكريات يحوم بخيالي، فقدت الوعي...
صحوت تقريباً بعد عدة أيام في المستشفى، كانت إصابات بالغة وكسر في اليد وجروح بسيطة في الوجه واليدين والباقي كان سليماً، لا أحد بالقرب مني ولا عائلة تخاف عليّ...
أتى الشرطي يستجوبني عما قد حدث لي، وكان من تسبب بالحادث أيضاً هو المريض الآخر بنفس الغرفة معي، والمفاجأة كانت امرأة، منذ عرفت بأنها مريضة فقد شعرت بشيء غريب، ولكن تنازلت عن القضية، لكن رفضت المرأة أن أتنازل وأنها تستطيع دفع تكاليف الحادث، شعرت بالأمل بأن الحياة باتت تبهجني ولو بشيء قليل... تحدثت مع الفتاة وتعرفت عليها..
كان وجهها جميلاً وملامحها لطيفة، سألتها بكل هدوء:
"ما السبب الذي جعلك تسرعين وتخاطرين بنفسك في هذا الوقت المتأخر؟"
خفضت رأسها بهدوء قائلة: "لقد كنت مسرعة لأجل أن أقتل نفسي وأرتاح من هذه الحياة".
"هل يمكنك إخباري ما هي قصتك؟"
وسردت قصتها بسطور مختصرة:
"كنت أتعذب كل يوم من قِبل زوجة والدي وحرمتني من كل شيء، نحن أغنياء ولدينا شركة خاصة بالعائلة لكنها حرمتنا من الدراسة الجامعية وحتى من ورث والدي الذي توفي بعدما عاش سنوات طويلة بحبنا، وحيدة عائلتي ولكن هي لديها أخي الذي كان يدفع لي المصاريف وكل شيء، ولكن العذاب مستمر في ذلك المنزل، أخي حنون عليّ لكن ليس لديه شخصية قوية، لذلك قررت قتل نفسي..".
توقفت بعد مختصر قصتها بقولي لها:
"القدر يريد أن يجمعنا بهذا الحادث المجهول، فكنت يائساً من هذه الحياة ولم أتوقع أن أفقد الأمل بأنني سأعيش مرة أخرى...".
جلست في المستشفى عدة أيام ومن ثمّ خرجت، لكن لا أعرف أين أذهب، كانت الفتاة في نفس اليوم وقت خروجها..
أخذت التعويض قبل أن أودعها، ورأيت عائلتها قد أتت..
غادرت المستشفى ونظرات شديدة بقلبي إليها، استأجرت سيارة أجرة ذاهباً إلى الشقق السكنية...
ربما ذات يوم ألتقي بها وأنا في أفضل حال..
فالقدر مكتوب مهما طال زماننا فعلينا بالصبر "وأن مع العسر يسراً".. فالحال لا يبقى كما كان..
#مداد_الرها
تعليقات
إرسال تعليق