في أطراف المدينة، حيث تبتلع الأنقاض بقايا الأحلام، يتربع "مستشفى القديس جود". المبنى ليس مجرد هيكل أسمنتي متداعٍ، بل هو كيان معماري حي، مشبع برطوبة السنين، ويئن تحت وطأة الأسرار التي دُفنت في جدرانه الصامتة. كانت السماء ملبدة بغيوم رصاصية، والمطر ينقر على الأسقف المتهالكة بنغمات رتيبة كأنه يقرع طبول جنازة قديمة.
وقف الضابط "مارك" أمام البوابة الحديدية الضخمة. لم يكن يرتدي معطفه الميري فحسب، بل كان يرتدي حذراً تغلغل في أعماق روحه. لم يكن المستشفى مجرد مبنىً بالنسبة له، بل كان فصلاً مظهماً من تاريخ عائلته الذي حاول والده، الطبيب المرموق، محوه من الوجود. لكن الأوراق القديمة التي عثر عليها مارك في قبو والده بعد وفاته قادته إلى هنا.. إلى هذا الجحيم الذي أقسمت المدينة على نسيانه.
دفع مارك الباب. لم يصرخ المفصل الصدئ كما توقع، بل انزلق الباب بهدوء مريب، وكأن المستشفى كان ينتظر زائراً طال انتظاره ليفتح ذراعيه ويحتضنه في عتمته الباردة.
خطا مارك أولى خطواته في الردهة الرئيسية. كانت الرائحة أول ما هاجم حواسه؛ مزيجٌ خانق من كبريت الصدأ، وعطرٍ قديم لزهور ذابلة، وذاك العبق النفاذ لمحاليل طبية جفت في قواريرها منذ عقود. كان المصباح اليدوي في يده يرسل شعاعاً نحيلاً ومرتجفاً، يرسم دوائر ضوئية باهتة على الأرضية المغطاة بطبقة سميكة من الغبار.
كلما ابتعد عن البوابة، زاد إحساسه بالثقل يضغط على صدره، شعورٌ غريب بأن الهواء هنا أثقلته الأرواح التي لا تزال عالقة في هذا المكان. كان شعاع المصباح يقطع الظلام ليشف عن بقايا عالمٍ سُحق فجأة: صفوفٌ من الكراسي الخشبية المقلوبة، وأوراقٌ طبية صفراء مبعثرة كأوراق خريف ميتة على البلاط المهشم.
توقف مارك ليستمع. لم يكن هناك سوى صوت المطر في الخارج، وصوت دقات قلبه التي بدأت تتسارع في الممرات الخالية. كان يسمع صريراً خافتاً.. كأن هناك كرسياً يهتز في غرفة بعيدة، أو خطواتٍ خفيفة تتبعه، تتوقف حين يتوقف، وتمشي حين يمشي.
أضاء المصباح نحو لوحة إعلانات قديمة غطتها الأنسجة العنكبوتية. كان عليها جدول مناوباتٍ قديم يعود لثلاثين عاماً. لم يستطع قراءة الأسماء جيداً، لكنه رأى توقيع والده كطبيبٍ مقيم في الجناح (ب).
شعر مارك بقشعريرة تسري في أوصاله. كل تفصيل في هذا الممر، تعرجات الشقوق في السقف، والبقع الداكنة على الجدران، كانت تتردد في أصداء لاواعية داخل عقله كأنها ذكريات من طفولةٍ بعيدة حاول والده جاهداً محوها من عقله بشتى الطرق.
همس مارك لنفسه، وصوته كان يبدو غريباً في تلك المقبرة المعمارية: "أنا لست هنا لأتذكر.. أنا هنا لأجد الملف المفقود، ملف الجناح ب."
أحسّ بضغطٍ ينهشه من الداخل، نداءٍ مغناطيسي غريب يجذبه إلى الأمام، ليس كضابط شرطة ينفذ مهمة، بل كرجلٍ يعود إلى مسرح جريمته الأولى. بدأ يسير ببطء، ومصباحه اليدوي يتراقص على الجدران كأنه يحاول الهرب من الظلام الذي يبتلعه.
وفجأة، في نهاية الممر حيث كان شعاع المصباح يغوص في العتمة الكثيفة، توقفت أنفاسه. لقد لمع شيءٌ ما.. بريق باهت، حزين، وقديم.. إنه بريق مفاتيح.
وسط غابةٍ من الأنسجة العنكبوتية التي تدلت كستائر رمادية في نهاية الممر، كانت تقف هناك.. طيف صامت. لم تكن تبدو كإنسانٍ ينتمي لهذا الزمن؛ كان رداؤها الأبيض المنسدل باهتاً، تغطيه بقعٌ غامضة تتداخل فيها صفرة القدم بزرقة الأيام المنسية، وكأنها خرجت للتو من صورةٍ قديمة لأربعينيات القرن الماضي.
في يدها اليسرى، احتضنت دميةً قماشية مهترئة فقدت عينيها البلاستيكيتين، لكن نظرتها الفارغة بدت وكأنها تخترق روح مارك وتكشف كل أسراره. أما يدها اليمنى، فكانت تقبض على حلقة حديدية ضخمة ثقيلة، تتدلى منها مفاتيح صدئة تبدو أثقل من أن يحملها كفٌ بشري.
كانت المفاتيح تصدر صوتاً رتيباً خافتاً: تيك.. تيك.. تيك.. كلما ارتطم أحد المفاتيح بالآخر في كفّها المرتجفة، كان الصوت يتردد في الممر كدقات ساعة توقفت عن العمل منذ زمن بعيد، لكنها لا تزال تحسب زمن الموتى.
ظل مارك متجمداً في مكانه، يراقب كيف تتمايل المفاتيح بين أصابعها، وكأنها تضبط إيقاع قلبه الذي بدأ يقرع في صدره بقوة: تيك.. تيك.. تيك.
لم تكن الممرضة تتحرك، لكن الدمية في يدها بدت وكأنها استدارت لتحدق فيه، وعيناها الفارغتان ترويان حكاياتٍ من الرعب المدفون. أحسّ مارك بثقل غريب يضغط على جفنيه، وكأن رؤيتها تستنزف طاقته، وتستحضر صوراً مشوشة في عقله لممراتٍ كهذه، وأصواتٍ مكتومة، ويدٍ كبيرة خشنة تمسك بكتفه بقسوة.
كلّما اقترب، زادت حدة الرائحة في الممر؛ رائحة المطهر القديم ممزوجة بعبير باهت لزهور ذابلة، ورائحة السجائر المميزة التي كان والده يدخنها، الرائحة التي كانت تفوح في هذا الممر تحديداً قبل ثلاثين عاماً. توقفت أنفاس مارك للحظة؛ شعر بحاسة سادسة تهمس له بأن هذا الممر يكتظ بحضورٍ لا يُرى، وأن الجدران تراقبه.
أخيراً، أصبح على بعد أمتار قليلة منها. استطاع رؤية تفاصيل وجهها بوضوح؛ وجهٌ شاحب، غارق في حزن عتيق. عيناها الغائرتان كانتا مثبتتين عليه لا ترمشان، نظرة تحمل قسوة وبراءة في آنٍ واحد.
نادى مارك بصوتٍ حاول أن يجعله حازماً لكنه خرج مبحوحاً: "إلينور؟ أنا الضابط مارك.. أنا لا أريد إيذاءك. أنا فقط أبحث عن بعض السجلات."
لم تلتفت نحوه، ولم تبدِ أي رد فعل بشري. ظلت واقفة بصلابة تامة، ورداؤها الأبيض يلوح كطيفٍ شاحب وسط العتمة. ساد صمتٌ طويل قبل أن تبدأ بالدوران بجسدها نحوه ببطء مرعب.
كانت حركتها بطيئة وميكانيكية، وكأن المفاصل في جسدها قد صدئت بفعل الرطوبة. لم يجد في نظرتها جنوناً ولا براءة، بل وجد فراغاً يشبه ذاك الذي يشعر به المرء حين ينظر في بئر عميقة لا قرار لها.
رفعت إلينور الدمية الرثة، ومسحت بسبابتها الخشنة على وجه الدمية المفقود العينين بحنانٍ يثير الريبة، حركة سجّانة ملاطفة لسجينها.
همست إلينور، وصوتها كان كحفيف ورق جاف يتمزق: "السجلات.. دائماً ما يكتبون الحقيقة ناقصة يا ضابط. هنا الأرواح فقط هي التي تحمل أرقاماً. والملفات؟ الملفات هي فقط قصصٌ ناقصة نكتبها لننسى أننا كنا يوماً بشراً."
خطت خطوة واحدة نحوه، وتفوح منها رائحة تشبه رائحة الكتب القديمة التي أُهملت في قبوٍ رطب.
نطق مارك بصوت خافت: "أنا لا أبحث عن أشباح يا إلينور.. هذا المكان منذ متى وأنتِ تحرسين جدرانه؟ ومن الذي أوكل إليكِ هذه المفاتيح؟"
أمالت إلينور رأسها ببطء كطائرٍ يراقب فريسته. نظرت إلى المفاتيح في يدها، وبحركة مفاجئة هزت الحلقة الحديدية الثقيلة، فأصدرت رنيناً معدنياً حاداً أيقظ في أعماق ذكرياته صدى ضحكة خافتة لطفلٍ يركض في ممراتٍ كهذه، ويد كبيرة تمسك بكتفه بقسوة.
أغمض مارك عينيه بشدة محاولاً طرد الصورة. فتح عينيه ببطء ونظر إلى انعكاس صورته في قطعة زجاج مكسورة على الأرض؛ لم يرَ وجهه المعتاد، بل رأى ملامح والده تتداخل مع ملامحه في ظلال البلاط المهشم.
بدأت إلينور تدور حوله في دائرة بطيئة، وكأنها ترسم حدوداً لسجن غير مرئي حوله: تيك.. تيك.. تيك.
شعر مارك بأن جدران المستشفى تضيق. في تلك اللحظة، هبّت نسمة هواء باردة حاملة معها رائحة المطهر والسجائر.
همست إلينور من خلف ظهره وأنفاسها الباردة تلامس عنقه: "أنتَ لا تسمع أصواتهم لأنك تدفنهم في كل مرة تحاول فيها أن تكون محققاً. أنت خائف يا مارك.. خائفٌ من الغرفة التي تقبع خلف هذه الخزانة، الغرفة التي لم يُسجل وجودها في أي خريطة."
تصلبت أطراف مارك. كان يشعر بضغطٍ هائل كأنه نداء مغناطيسي يجذبه لمواجهة الخطيئة التي حُفرت في تاريخ عائلته.
لم يكتفِ المستشفى بالصمت، بل بدأ يبتلع المسافات. حين حاول الالتفات ليرى إلينور، وجد أن الدهليز تحول إلى ممر لا نهائي تتقاطع فيه الأبواب بشكل غير هندسي. نظر إلى ساعته، لكن العقارب كانت تهتز في مكانها وتصدر صوتاً يشبه نبضات القلب.
على الجدران العارية، بدأت تتشكل بقعٌ رطبة ترسم خطوطاً ودوائر كلغةٍ لشيء حي. وكانت إلينور تتلاشى وتظهر عند نهاية الممر، تمسح بيديها على الجدار فتتفتح خلفها أبوابٌ جديدة.
جاء صوتها من كل مكان: "أنت لا تسير في مستشفى يا مارك.. أنت تسير في متاهة الذاكرة. كل باب هنا هو لحظة قررتَ أن تنساها، وكل ركن مظلم هو سرٌّ دفنه والدك في صمت الليل."
مدت يدها نحو باب خشبي ضخم مغطى بطبقة من الطين الأسود: "تريد الغموض؟ خلف هذا الباب توجد الغرفة صفر. لا وجود لها في السجلات، ولا يخرج منها من دخلها."
استدارت إليه ووضعت إصبعها على شفتيها بحركة تدعو للصمت، بينما بدأ الممر بأسره يهتز. شعر مارك بأن الأرضية تحت قدميه تنحدر نحو الأعماق.. نحو "الغرفة صفر".
شعرت قدماه وكأنهما تغوصان في طبقة من الرماد الدافئ. توقفت إلينور أمام الباب، رفعت يدها اليمنى، وأصدرت المفاتيح نداءها.
قالت بصوت خافت: "الأسئلة هي أقفال يا مارك.. وأنت جئتَ بأقفال كثيرة. هل أنت مستعد لرؤية ما يقبع في الجانب الآخر منها؟"
اختارت المفتاح الأسود ودارت به في القفل.. كلاك.
انزلق الباب بسبيلٍ غريب، واندفع هواء بارد محمّل برائحة التراب المبلل والكهرباء الساكنة. في الداخل، كان هناك ضوءٌ رمادي ينبعث من شاشات عتيقة يلفها الغبار على الجدران، تبث صوراً مشوشة بالأبيض والأسود. رأى طفلاً صغيراً يرتجف، ورأى والده يرتدي مئزره الأبيض الملطخ بشيءٍ داكن، يمسك بمشرط معدني لامع.
شعر مارك بدوار شديد، وقال بصوت متقطع: "هذا.. هذا ليس حقيقياً!"
قالت إلينور من عند العتبة: "الحقيقة هي ما نقرر نحن أن نصدقه حين لا نجد مخرجاً."
صرخ مارك وهو يشير إلى الشاشة: "لماذا؟ لماذا فعلت هذا بوالدي؟ لماذا فعلت هذا بي؟"
تغيرت الصور بسرعة وتوقفت على لقطة واحدة: مارك يقف في نفس هذه الغرفة بملابسه الميرية، ممسكاً بالمشرط بنفسه، ويداه ملطختان، بينما إلينور جالسة على كرسي هزاز في الزاوية تبتسم له.
اقتربت إلينور منه وهي تهمس: "الآن.. حان دورك لتسجل ما حدث."
سقط المشرط من يد مارك على الأرضية الإسمنتية برنين حاد. نظر إلى يديه المرتجفتين، وبدا له أنه يرى أثراً لندوب جراحية بدأت تظهر تحت جلده.
صرخ واندفع نحو الباب: "لا.. هذا ليس أنا!" لكن الباب كان قد تحول إلى جزء صلب من الجدار.
ضحكت إلينور ضحكة شفقية وقالت: "أنت تحاول الهروب من مرآة يا مارك. أنت لا تهرب من المستشفى، أنت تهرب من العمل الذي لم تكتمل فصوله."
أشارت نحو الشاشة حيث ظهرت سجلات طبية بختم أحمر: (الحالة: الضابط مارك. الملاحظة: المريض لا يزال يمارس وهم السلطة.. يجب إعادة ضبط الذاكرة).
شعر مارك بالدوار، وبدأت شظايا الذاكرة تتجمع في عقله؛ لم يكن ضابطاً، بل كان الطبيب المساعد.. المتدرب الذي أقسم ألا يترك مرضاه، وكان عليه أن ينسى أنه مريضٌ أيضاً ليحافظ والده على بقاء هذا المكان حياً في عقله.
قاطعتها إلينور بنبرة حازمة: "أنت الذاكرة التي لم تمت.. أنت هنا لتوثق كل شيء، لتكتب نهاية المستشفى."
تراجعت خطوة إلى الوراء ووضعت الدمية على حجره: "الأبواب تُفتح عندما تصبح الحقيقة أكثر ثقلاً من الكذب يا مارك.. والآن، ابدأ الكتابة."
أمام مارك، ظهرت طاولة خشبية عليها سجل طبي ضخم وقلم ريشي قديم. أمسك بالقلم وكان ملمسه مألوفاً بشكل مزعج. فتحت إلينور الصفحة الأولى التي احتوت رسماً لمتاهة معقدة، وكُتب تحتها: (خريطة الذاكرة - المبتدأ: الغرفة صفر).
قالت إلينور وهي تتجه نحو الباب: "اكتب ما تراه يا مارك، لا تكتب ما تتذكره لأن الذاكرة كاذبة."
نظر مارك حوله ورأى الأشباح؛ رأى طيف والده، ورأى امرأة شاحبة ترتدي رداء ممرضة وتحدق في الفراغ.
أمرته إلينور بصارم وهي تغلق الباب: "اكتبهم.. اكتب كل من تراه، لأنك إن لم تكتبهم فسوف يكتبونك."
أُغلق الباب. بدأ مارك يكتب؛ كتب عن طيف والده، وعن المرأة والدمية، وبينما كان يكتب، بدأ يشعر بهدوء وخلاص يتسلل إلى روحه.
في النهاية، كتب سطراً واحداً عند نقطة اللاعودة:
(لم أكن محققاً، ولم أكن مريضاً.. كنت الطبيب الذي أُرسل ليكون الشاهد الأخير على نهاية مستشفى القديس جود).
أسند رأسه إلى الطاولة وأغلق السجل. خارج الباب، سُمع صوت ارتطام المفاتيح الحديدية: تيك.. تيك.. تيك. وُضعت الحلقة الحديدية في يد مارك، بينما ابتسم المستشفى بعد أن وجد حارساً جديداً لأسراره.


