في بطن الظلام

 كان الليل قد ألقى بسدوله الثقيلة على العالم، ليحيل كل شيء من حولي إلى عتمة خيم عليها السكون. كان يوماً انسلخت فيه كل معالم الحياة اليومية لأجد نفسي فجأة أطأ أرضاً لم أرها من قبل. وجدتُ نفسي أسير في طريقٍ مهجور، خاوٍ من أي أثرٍ للبشر أو العمران، طريقٍ لا يرتاده سوى الضباب والوحشة. لم يكن هناك سوى الصمت المريب الذي يقطعه صفير الريح بين الأغصان اليابسة، وأشجارٌ متراصة على جانبي الطريق كأنها ظلال حارسة، تحجب ما خلفها وتزيد الظلمة دكنةً وغموضاً. ومن بعيد، كانت الظلال الضخمة للجبال الشاهقة تحيط بالمكان من اليمين واليسار، كأنها أسوار تمنع من يدخلها من الخروج.



كنتُ أمشي وحدي، ضائعة بالكامل، ولا أعلم كيف انتهى بي المطاف إلى هذا الفراغ المظلم. قدمتُ خطوة وتراجعتُ خطوات، لكن العودة كانت وهمية؛ فالطريق من خلفي ذاب في العتمة كما ذاب أمامي. كل ما كنتُ أرجوه هو أن ألمح نهايةً لهذا الأسفلت المتهالك، أو شعاعاً خافتاً يطمئن قلبي، لكن الخوف كان ينهكني ويشل أطرافي حتى كادت قدماي لا تحملانني. لم يكن بجانبي أحد، لا رفيق ألتجئ إليه ولا صوت إنساني يعيد إليّ صوابي.

وفجأة، شقّ عواء الكلاب هدوء الليل.

كان الصوت قادماً من نقطةٍ مبهمة خلفي، يعلو ويهبط بطريقة تحبس الأنفاس. تجمّد الدم في عروقي، وأحسست بضربات قلبي تلطم أضلعي. أردتُ أن أركض، لكن الخوف حذرني من خطوتي التالية: "ماذا لو ركضتُ فاستفززتُ تلك الضواري لتركض خلفي؟"

وقفتُ محتارة، مشتتة، تاهت مني الجهات الأربع. تطلعتُ نحو الجبال الصامتة وسألتُ نفسي ونبضات قلبي تزداد اضطراباً: "هل إذا اتجهتُ نحو تلك الجبال ستحميني شعابها؟ أم أنها ستزيدني ضياعاً في مغاراتها المظلمة؟" لم أكن أعلم شيئاً. كنتُ أبحث عن أي قشة أمل أتمسك بها، بينما كان العواء البعيد يتحول بالتدريج إلى أصوات ترددها القمم الصامتة، متداخلة مع همسات الريح كأن المكان نفسه يروي أسراراً لا أفهمها.

بدأ الحيرة تسيطر علي؛ تساءلتُ: "هل هذا الطريق حقيقي؟ أم أن المكان مجرد كابوسٍ طال أمره؟" وفجأة، شق السكون صوتٌ آخر، صدى حركة سيارات ينساب من مكانٍ ما في الأفق البعيد، خافتاً متقطعاً. لم أعد أدري؛ هل هذا الصوت حقيقة وأمل بقرب الشارع العام، أم أنه مجرد وهمٍ ينسجه عقلي الخائف؟

لم يعد القلق مجرد شعور، بل أصبح يمتص الطاقة من جسدي، ويجعل كل شجرة ألمحها بطرف عيني تبدو كخيالٍ يلاحقني. أين سأذهب؟ التراجع للوراء عودة للمجهول، والوقوف في المنتصف استسلام. قررتُ أن أجعل ذاك الصوت المتردد دليلًا لي، وأن أستمر في السير إلى الأمام بخطى منتظمة دون التفات، متشبثة بالرجاء أن كل طريقٍ مستقيم -مهما طال ظلامه- لا بد أن ينتهي بنور.



المأوى المظلم

انقضت ساعةٌ من السير المضني، كانت فيها قدماي تسحباني سحباً على التراب والحجارة. وحين بلغتُ أدنى نقطةٍ ينحدر فيها الطريق نحو قاعدة الجبل، رأيتُ النور.

لم يكن نوراً ساطعاً، بل كان ضوءاً أصفر باهتاً يخرج من نوافذ منزلٍ معزول، يقف وحيداً بالقرب من سفح الجبل، بعيداً عن كل معالم العمران. كان المبنى يتكون من طابقين، مبنياً بالحجارة الداكنة والخشب القديم الذي أنهكته السنون. للوهلة الأولى، بدا لي المنزل كأنما هبط من زمنٍ آخر. تنفستُ الصعداء وركضتُ نحوه كالغريقة التي أبصرت شاطئاً، غير مدركةٍ أن الشاطئ قد يخفي أسراراً جديدة.

صعدتُ الدرجات الخشبية الثلاث التي تؤدي إلى الباب المتهالك، وطرقته ببدنٍ يرتجف ويدين متيبستين من البرد. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى انفتح الباب.

وقف أمامي رجلٌ مسنٌ ذو شعرٍ أبيض ولحيةٍ كثيفة، يرتدي ثياباً بسيطة. كان وجهه هادئاً، لكن عينيه كانتا متسعتين بنظراتٍ مثبتة عليّ دون أن يرمش. من خلفه، أبصرتُ غرفة معيشة تفوح منها رائحة الحطب المحترق، وتجلس فيها عائلة كاملة حول طاولة خشبية عريضة: امرأة عجوز، ورجلٌ في منتصف العمر، وامرأة شابة، وطفلان يجلسان على الأرض.

بدت العائلة للوهلة الأولى طبيعية، عائلة قروية تعيش في عزلة هادئة. لكن حين خطوتُ أولى خطواتي إلى الداخل، ساد صمتٌ مطبق في الغرفة. توقفت الأيدي عن الحركة، والتفتت جميع الرؤوس نحوي في حركةٍ واحدة. كانت نظراتهم جميعاً تحمل خلطاً عجيباً بين الفضول البارد والترقب المريب.

"أهلاً بكِ في منزلنا.." قالت العجوز بصوتٍ هادئ ينقصُه الدفء. "الطريق الخارجي لا يرحم من يضلّ فيه. اجلسي، ارتاحي معنا."

جلستُ على طرف الكرسي والقلق ينهكني، لكني حاولتُ تصنع الابتسامة والامتنان. وضعت العجوز أمامي طبقاً فخارياً كبيراً مغطى بقطعة قماش. حين رفعت الغطاء، تجمد الهواء في حلقي وشعرت بانوثاق غريب في صدري.

لم يكن الطبق يحتوي على طعامٍ عادي، بل كانت فيه أعشابٌ غريبة داكنة اللون، تنبعث منها رائحة كافورٍ نفاذة وثقيلة تشبه رائحة الأماكن المهجورة القديمة.

نظرتُ إلى العائلة بذهول، فوجدتهم يرقبونني بصمتٍ وأطباقهم أمامهم فارغة. رفعت الشابة شوكتها وحركتها في الهواء كأنها تأكل بحركات وهمية وهي تحدق في عيني مباشرة!

"تناولي.. هذا الأعشاب تمنح القوة للراغبين في مواصلة الطريق،" همس العجوز المسن بصوتٍ جاف كحفيف الورق الميت.

"أنا.. أنا لستُ جائعة، أشكركم جداً.. فقط أحتاج مكاناً لأستريح فيه،" تمتمتُ بصوتٍ يرتجف. هل هؤلاء بشر؟ أم أنني وقعتُ في قبضة أناسٍ يقتوتون على أوهام العابرين؟

لم يجادلوني. قامت العجوز ببطء، وحملت شمعةً صغيرة، ثم أشارت لي لأتبعها. صعدنا درجاتٍ خشبية تئن تحت وطأة أقدامنا، حتى وصلنا إلى غرفةٍ صغيرة في نهاية الممر بالطابق الثاني. كانت الغرفة تحتوي على سريرٍ خشبي قديم، وخزانة، ونافذة واحدة تطل على الظلام المطلق.

"هذه غرفتكِ.. لا تخرجي منها في الليل، والزمي الهدوء،" قالت العجوز قبل أن تغلق الباب خلفها وتتركني مع ضوء الشمعة الخافت.



أسرار داخل الجدار

مرت الليلة الأولى بصعوبة. لم أستطع النوم، بل جلستُ في زاوية السرير متشبثة بلحافي البارد، وأذناي تسترقان كل صوت. لكن كل شيء بدا طبيعياً بشكلٍ يدعو للشك؛ صوت الريح في الخارج، صرير الخشب المتمدد، ولا شيء غير ذلك. تساءلتُ إن كنتُ قد بالغتُ في خوفي بسبب الإرهاق.

لكن الليلة الثانية غيرت كل شيء.

مع حلول منتصف الليل، وانطفاء الشمعة تلقائياً، بدأتُ أسمع الصوت. لم يكن صوتاً خافتاً قادماً من الممر، بل كان صوتاً ينبعث من داخل الجدار الخشبي المحاذي لسريري.

كانت همساتٍ!

همساتٌ كثيفة، متداخلة، تتأوه بنبراتٍ مشحونة بالحزن والرجاء. خيل إليّ أن الجدار نفسه يخفي خلفه شيئاً ما. وضعتُ أذني على الخشب المتهالك، فسمعتُ صوتاً واضحاً يتردد ببطء، وكأن هناك شخصاً محتبساً داخل الفراغ الضيق خلف الجدار يحاول إيصال إشارة. طار النوم من عيني، وبقيتُ أرتجف حتى أشرقت شمس الصباح الباهتة.

في الليلة الثالثة، تجاوز الأمر الهمسات.

بدأ الصوت بطرقاتٍ متتالية: طرق.. طرق.. طرق..

كان الطرق يأتي من خلف الجدار، ضرباتٌ خفيفة كأنها محاولة للخروج. لم أعد أحتمل هذا العذاب النفسي؛ الفضول والرهبة دفعاني للتصرف دون تفكير.

بحثتُ في الغرفة بحرص، حتى عثرتُ على أدوات حديدية قديمة في زاوية الخزانة. اقتربتُ من الجدار محاولةً ألا أحدث صوتاً عالياً. بدأتُ أضغط على الشقوق الخشبية بيدي، أزيل القشرة قطعةً بعد قطعة.

تفتت الخشب الهش، ليظهر فراغٌ مظلم وضيئق خلف الجدار الرئيسي للغرفة. أدخلتُ الشمعة ببطء داخل هذا الفراغ وشعرتُ بالهواء البارد المنبعث من الداخل.

وفجأة.. التقت عيناي بالسر الحقيقي للمكان.

داخل الجدار، كان هناك مجسمٌ قديم وأثري، مغطى بقطعة قماش سوداء ومحاط بسلاسل خشبية ورموز غريبة تُغلق المكان بالكامل!

انقبض قلبي برعب، وفهمتُ الحقيقة الصادمة في تلك اللحظة: هذه العائلة ليست مجرد عائلة غريبة تقطن بالقرب من الجبل.. إنهم يحتجزون الغرباء والضائعين في هذا المنزل الملعون، ويمنعونهم من الخروج لاستغلالهم في إبقاء منزلهم المعزول مخفياً عن أعين العالم!

تراجعتُ خطوة إلى الوراء، لكن صدمتي كانت كبيرة حين التفتُّ خلفي.

كانت العجوز تقف عند عتبة الغرفة.

كانت تقف بانتصابٍ مريب، وعلى وجهها ابتسامة باردة. ومن خلفها، ظهر باقي أفراد العائلة يسدون الممر بالكامل.

"لقد رأيتِ ما لا يجب أن يُرى.." همست العجوز بنبرة قاسية.

حاولتُ الهروب اندفعتُ نحو النافذة، لكنهم أحاطوا بي بسرعةٍ فائقة ومسكونة بالجمود، وأمسكوا بي بقوةٍ شلت حركتي. صرختُ وقاومتُ، لكن قوتهم كانت أصلب من الخشب. احتجزوني داخل الغرفة وأغلقوا عليّ المنافذ تماماً، ليتلاشى صوتي وسطي العتمة المطلقة.




خلودٌ في المتاهة

فتحتُ عيني لأجد نفسي محبوسةً في العتمة المطلقة داخل إحدى الغرف المظلمة.

لم أعد أستطيع رؤية الضوء، وكنتُ ممنوعة من الحركة أو الخروج، مثبتة في مكاني أستمع لخطوات القاطنين وصوت الريح في الخارج، وأسمع أنفاس أي ضحية جديدة قد تسير على ذلك الطريق المظلم.

رغم هذا، كان في أعماقي جزءٌ يرفض الاستسلام.

في إحدى الليالي، حين أحسستُ بضعف الأبواب والمقابض بفعل القدم، استخدمتُ كل ما بقي لديّ من قوة. حركتُ جسدي ببطء، ودفعتُ الباب الخشبي بكل أثقالي حتى انكسر، وسقطتُ على أرضية الممر.

كنتُ أتحرك في الظلام، أزحف وأتلمس الجدران والحجارة، حتى وصلتُ إلى الباب الخارجي للمنزل. دفعته بكل ثقلي وخرجتُ إلى الهواء البارد.

تعثرتُ بالدرجات الخشبية وسقطتُ على التراب. بدأتُ أزحف نحو الطريق، أتحسس الأشجار والأحجار وأحاول الابتعاد عن هذا السجن. كان عواء الذئاب يتردد من حول موضع سيري، لكنه لم يعد يخيفني مقارنة بساكني هذا المنزل.

زحفتُ وزحفت، حتى انقطعت أنفاسي، وأحسستُ بقدميّ تطئان طريقاً مسفلتاً.. كان الطريق المهجور ذاته!

فرحتُ في سري، وظننتُ أنني نجوت، وأن السير على هذا الطريق سيوصلني إلى الأمان. بدأتُ أمشي وأتعثر، أمد يديّ في الهواء، أتبع الفراغ علّني أصل إلى المدينة أو أسمع صوت سيارةٍ حقيقية.

لكن المتاهة لا تترك ضحاياها بهذه البساطة.

واصلتُ المشي لساعات، أتعثر وأقوم، والظلام هو صحابي الوحيد. وفي لحظةٍ ما، حين ظننتُ أنني ابتعدتُ ميلاً كاملاً عن المنزل والجبل، اصطدمت يداي بهيكلٍ خشبي.

تلمستُه بذعر.. كانت ثلاث درجات خشبية، تؤدي إلى بابٍ متهالك.

انفتح الباب تلقائياً دون أن أطرقه. وسحبني هواءٌ دافئ يفوح منه عبق الحطب المحترق ورائحة القدم!



أحسستُ بيدين تمسكان بكتفيّ، وصوت العجوز يتردد في أذني بنبرة هادئة:

"لقد عدتِ.. لا أحد يستطيع الهرب من هذا الطريق، فهو دائمًا يعود إلى هنا."

أدركتُ في تلك اللحظة النهاية المحتومة؛ أن الطريق نفسه كان مجرد دائرةٍ مغلقة تخضع لسلطة هذا المكان. أعادوني إلى الحجز المظلم، لأبقى هناك.. حبيسةً بلا مخرج، أستمع لخطوات الضائعين الجدد على الطريق المظلم، وأنتظر من قد يشاركني هذا المصير.


#مداد_الرها


1 تعليقات

أهلاً بك في 'مداد الرها'. هنا مساحةٌ للقاء الأفكار وتبادل الكلمات.
يسعدني جداً أن أقرأ تعليقاتكم وانطباعاتكم حول ما أكتب، فآراؤكم هي مرآةٌ أخرى لنصوصي.

أرجو أن تظل تعليقاتنا في إطار الاحترام المتبادل ليبقى المكان كما أحببناه..
بانتظار بوحكم.📖

  1. القصة جدا مرعبة احببت الاجواء فيها ابدعتي

    ردحذف
إرسال تعليق
أحدث أقدم