ذنب الماضي
بين سطور لا زالت محفورة بقلبي
عم اكتب في حياتي سطر لا ينسى
أيعقل قلبي معلق بالماضي أم أنا أشتاق إلى شيء ما
ربما مجهول أو شيء تركته دون وداع
لا أعلم.. لكن الواقع الذي أقرأه كل يوم
يجعلني أعود قسراً إلى الوراء
ربما الذين حولي هم السبب في جعل روحي تعود للخلف
أيعقل أنني لا أستطيع النهوض؟
ولا أملك السيطرة على جسدي وعقلي لكي يتجاوزا هذا الماضي المرير؟
فراشة محبوسة في داخلي، لا تستطيع البوح،
ولا تملك حتى ترف الفهم لما أعيشه الآن..
رفرفت بقلة حيلة في عتمة هذه الأيام،
تعبت من المحاولة، وتعبت أكثر من السؤال الذي لا يأتيه جواب.
تتمرأى أمامي الوجوه والعابرون،
يمر اليوم تلو اليوم وأنا أمارس طقوس الحياة كأي شخص طبيعي،
أبتسم في الوجه المناسب، وأقول العبارات المتوقعة،
لكنني في الحقيقة غائبة.. غارقة في تفاصيل قديمة لا يراها أحد غيري.
يجلسون حولي، يتحدثون عن الغد وعن مشاريع صغيرة،
وأنا أتظاهر بالإنصات، بينما عظامي كلها تشهد أنني في مكان آخر تماماً.
أحس بالغرباء أقرب إليّ من أولئك الذين يعرفون اسمي ولا يرون حرائقي.
أحياناً أقول سأتجاوز،
وأتظاهر أمام الجميع بأنني بخير وماضية في طريقي،
لكن في منتصف الليلة، حين يهدأ كل شيء ويصمت العالم،
تعود نفس اليد المخفية لتسحبني إلى القاع.
تلك الساعة المبتورة من الليل، حين ينام البيت وتتوقف الحركة،
تصحو الذكريات كحراس جشعين،
يفتشون في دفاتري القديمة، ويُخرجون لي كل سطر حاولتُ محوه.
تكبر الفجوة بين ما أظهره وما يخنقني في العمق،
كأنني أقف في منتصف الطريق؛
لا الماضي يتركني لأمضي،
ولا الحاضر يمنحني يداً تنتشلني من حافة هذا الحزن.
كيف أصبح هذا الشعور مقيماً دون استئذان؟
كيف يستطيع خطأ قديم، أو ذنب محتلم، أو كلمة قيلت في لحظة غضب،
أن يستولي على حاضري كله ويبني سياجاً حول مستقبلي؟
أتعجب كيف لشيء غادرنا في الزمان
أن يظل مقيماً في الزوايا الحميمية من الروح؟
وكيف لندبة قديمة أن تنزف مجدداً مع كل كلمة أو نظرة عابرة؟
أقضي ليالي طويلة وأنا أعيد المحاكمات داخل رأسي،
ماذا لو فعلت كذا؟ ماذا لو لم أذهب إلى هناك؟
ماذا لو اقتطعت تلك اللحظة من شريط العمر كأنها لم تكن؟
لكن الأسئلة تعود فارغة، والصدى لا يمنحني سوى المزيد من التعب.
تعبت من جلد الذات، ومن حمل حقيبة ملطخة بالخيبة أينما ذهبت.
تعبت من أن أكون القاضي والجلاد والمتهم في نفس الوقت.
تعبت من التحديق في الأبواب المغلقة واستجداء الغفران من أطياف أصحابها الذين مضوا.
لكن، ورغم هذا الثقل الذي يكبّل أنفاسي،
هناك شيء صغير في داخلي ما زال يرفض أن ينتهي هكذا.
شيء يشبه الضوء الباهت في أقصى الممر،
يقول لي إن هذه ليست النهاية، وإن الروح رغم رضوضها قادرة على الترقيع.
تلك الفراشة السجينة لن تموت في العتمة؛
ستظل ترفرف، حتى وإن وهنت أجنحتها وسقط منها الريش.
ستظل تحاول، لأن البقاء داخل السجن بات أشد إيلاماً من مغامرته بالتجربة.
ربما لن أشفى بلمحة عين،
وربما ستظل تخاف الضوء لفترة أخرى،
لكنها على الأقل لم تعد تطرق جدران الماضي بنفس الحرقة.
أتعلم رويداً رويداً كيف أترك الأشياء تمر دون أن أكسر نفسي،
أتمرن كل يوم على الإمساك بلحظتي الحاضرة،
أن أستشعر خطواتي على الأرض، أن أتصل بالواقع الذي يهرب مني،
أن أسامح تلك الذات القديمة التي لم تكن تملك من الحكمة ما تملكه اليوم.
أن أكتشف أن أول الطريق للتسامح هو ألا أستمر في عقاب نفسي على زلة قديمة.
ليس لأن الأمر كان سهلاً، بل لأنني تعبت من الركض وأنا ألتفت للخلف،
وتعبت من تعذيب نفسي على أخطاء لم أعد أملك القدرة على تغييرها.
اليوم لا أعد نفسي بمعجزة،
ولا أقول إنني استفقت فجأة وشُفيت تماماً،
لكني أفتح ثقباً صغيراً في النافذة،
لتتنفس هذه الفراشة هواءً جديداً،
ولتبدأ خطواتها الهادئة نحو النور،
دون عجلة، ودون خوف،
صانعةً لنفسها مساراً آخر.. لا يكتبه سوى أملها بالنهوض.
