اليوم قررت أن أكتب قصتي التي جعلتني أموت في كل لحظاتي، ما الذي أخبركم به؟ بل ما الذي أفعله لكي أجعلكم حزينين مثلي؟
هذه بداية قصتي التي لن تنتهي؛ فكل ليلة في فصل الصيف تأتي لي ذكرى ولحظات أكره فيها نفسي، لا أعرف هل الصيف يؤثر في عقلي، أم هي مجرد أحاسيس باردة بدأت تتلاشى وتذوب كالمياه في القطب الجنوبي!
يومًا بعد يوم أصبحتُ لا أشعر بمشاعر قلبي الرهيف، وكلمات إحساسي الذي كان كالفراشة الصفراء في صيف مليء بالحشرات التي تبحث عن مأوى لتشعر بالبرودة بعد هجير الشمس القاسية. والربيع الذي احتل مدينتي بعد جفاف دام سنوات، رأيته يثمر بالأزهار الجميلة الزاهية البراقة ورائحتها الزكية، نظرت حولي فوجدت كل شيء مُبتهجًا عدا قلبي وروحي اللذين أصبحا في مهزلة حروفي الشجية. ما الذي أفعله بنفسي؟ وإلى متى سأظل مريضة القلب، وعديمة الإحساس بعد كومة الأشياء العديدة التي تخطيتها؟ الأرض التي مشيت عليها أصبحت رماد الموتى، كنت أعلم أنه قبل كل شيء كان عليّ أن أعرف تلك الأراضي جيدًا، ولكنني الآن أصبحت أدرك مدى حاجتي للبشرية. أرضي قد أزهرت، وضَوء مُتقد في أعالي الكلمات والأحرف التي تحوي عِبرًا، ازْدهرت أَشجار الحقول والبهجة بروحي تلاشت، وبين الشيء واللاشيء أمرٌ فضح نفسه؛ لقد تعبت من السفر بكلماتي إلى أرض قاحلة، ومات شغفي عندما وصلت إلى وجهتي الأخيرة. ليلة واحدة فقط كانت سببًا في تغيير مجرى حياتي، ومكان قد لوى على جروحي أملًا بلا هدف، لقد جفت دموعي وتبلدت مشاعري، والظلام أصبح صديقي بعد أن كان يخيفني في كل منام وكابوس.
ذهبت إلى مدينة أحلامي اليوم وكانت البهجة تغمر وجنتيّ بالفرح والسرور، والأمل الذي بداخل قلبي انشرح، لقد كانت رحلتي الأخيرة ربما. استمتعت بشرب القهوة الإيطالية والكعك المُحلى الذي تغطيه الشوكولاتة التي أعشقها جدًا، أمسكت هاتفي وبدأت أخذ صورة "سيلفي" لنفسي، والابتسامة المزيفة تملأ وجهي، بينما عيناي مليئتان بالحزن. كل همي كان أن أرسلها إلى جدتي الراقدة على فراش الموت مريضة، فقد قالت لي قبل سفري إن عليّ أن أستمتع بهذا اليوم، لكنها لا تعلم أنني حزينة لأجلها، فلم يتبقَ لي سواها في هذه الحياة والأرض الشقية. لا أعلم بعد عودتي هل سأجدها أم لا؟ لكنني فقدت الأمل بعد سماع نتائج التحاليل من الطبيب! حقًا عندما يُقال إن الوحدة هي أن تبقى وحيدًا ويتيمًا، لكنهم لم يقولوا إنني سأبقى وحيدة بلا مأوى يحتويني، لذا سوف أسافر إلى أعالي الأرض أبحث عن شريك يملأ حياتي بالفرح.
بعد عدة أيام ماتت جدتي، وكان رحيلها يعني غياب آخر شخص يملأ روحي بالبهجة. وها أنا أحزم حقائبي مسافرة إلى أرض لعلني أجد فيها أمرًا يسعدني، فقد قررت أن أكون كاتبة ذات يوم، وأروي قصصًا أثرت في روحي وعقلي. فبعد فقدان الشغف والطموح، وترك الدراسة لأجل عائلتي، أدركت أن الشقاء لا ينفع إذا كان جهدي ضائعًا بلا دراسة ولا استقرار. أصبحت أتألم من كلماتي وحروفي التي اندثرت في كل قصصي، لكن لن أفرح ويطيب حزني إلا بعدما أجد دار نشر تهتم بشغفي وكتاباتي اليسيرة البسيطة. روحٌ من بحر هائج قد تلاشت، وتعلمت وجازفت لأجل شغف وهدف أحبه قلبي وعظامي التي امتلأت بالمشاعر الحرة والواسعة. عندما يموت أحد أقاربك وهو مريض فهذا ربما يكون راحة له، لكنني لم أجتز بعد موت جدتي التي كانت آخر أمل ونقطة في حرفي. أتمنى أن أكف عن البكاء ذات يوم قبل أن أغرق في بحر حزني، وأن تسترسل كلماتي العميقة لتصنع وهجًا يجعل كل من قرأها يتمسك بالحياة وبشيء يفيده، لأننا نحارب الدنيا قبل أن تحاربنا. لقد أصبحت متأكدة بأن القادم سيكون كالبرق القاطع على شجرة يابسة تريد أن تقتل نفسها دون مبالاة. فكرت مليًا وراجعت كبسولة زمني، لكن الشيء الأعظم خسارة هو أن تفقد من تحب دون أن تفعل له شيئًا. التلاشي كالدوامة في متاهة لا نهاية لها غير الموت، واليأس هو أن تبقى غارقًا فيه ولا تفكر بشغفك والهمة والعزيمة وقدراتك الجميلة. لقد انتهى كل شيء بالنسبة لي عندما فقدت إحدى مزايا الحياة، فالعِبر ما زالت كالعابرين، والغربة في سقف رثٍّ وحجرة ملؤها الظلام والغبار. أنا سعيدة بما أصبحت عليه الآن، والدُنا غلبة للمشاعر العميقة، فلن أنساكِ يا قطعة من شريان قلبي.
#مداد_الرها
