.R
R A H A

غرفة مديونة

 

ستقرأ هذه القصة وتحكم على بداياتها بالتسارع؟ لكن أريد إخبارك أيها القارئ، بأن هذه القصة بداياتها جزء من حياة البطل، فلا تحكم على منظور القصة بالتسارع من أول سطورها.. فالحكمة تتواجد في نصف الأحداث.. والحقيقة يكمن خلفها الغموض..

..



نهضت والحزن يتدفق من قلبي إلى عينيّ البريئتين من كثرة البكاء، ولم أشعر بالأمان خلف تلك الدموع؛ إذ تدفقت دموعي هباءً حتى أصبحت بلا مشاعر. من سيشعر بما أمر به من الداخل؟ لم يعد هناك أي أمل في الهروب من هذه الحياة البائسة، فالحياة أصبحت جحيماً بالنسبة لي. تركني والدي ورحل عن هذه الدنيا، ولم يترك لي شيئاً أستفيد منه سوى تلك السيارة الرثة منذ عهد مضى، وفي كل مرة تتعطل بي في الطريق. لم أجد أي شيء غير ضياع وقتي بالأشياء التافهة وبلا فائدة، كنت أشعر أنني لا زلت صغيراً، وأنه لن أستطيع العيش بدون انشغالٍ يملأ الفراغ الذي أعيشه. ومن وقت لآخر أجد نفسي بين العديد من الصفحات المطوية القديمة المليئة بالغبار الأبدي، إلى متى سأظل كالفراشة الملونة؟ أنا أحب القراءة والكتابة كثيراً، وأرغب دائماً في الحصول على مكان يمكنني أن أعيش فيه بأمان وراحة تامة.

بينما كنت أخطط للذهاب إلى مكان ما، شعرت بالكسل والإرهاق، ونظرت من تلك النافذة الصغيرة المليئة بالغبار المتراكم، شعرت أنها بحاجة إلى تنظيف عميق. أعيش في ملحق صغير خارج منزل المؤجر، ليس لدي عائلة أو أقارب، أنا أعيش في هذا المكان الذي يحتويني وحده، وقد استأجرته حتى أتمكن من البقاء فيه لفترة طويلة، ففي كل مرة أبحث فيها عن شقة سكنية أحرص أن يكون عقدها طويلاً. أشعر بالتعب من كوني بائساً ووحيداً في هذه الحياة، فالوحدة ليست مجرد وسيلة للتغيير أو حتى تحقيق الأهداف بدون شخص ما، بل هي صفحة من حياتك تكوّن من خلالها علاقات جديدة ضمن مجتمع اجتماعي من شتى أنحاء الوطن، لكنني تعبت من سير المواصلات، والبنزين، والكهرباء، والمياه، وغيرها من مصاريف العمل والمأوى والإيجارات في كل مرة أغير فيها المكان الذي اعتدت عليه. واليوم طُردت من شقتي بعد سنوات طويلة عشت فيها، لكن ما السبب؟ رغم أنني وحيد ولا أسبب أي إزعاج! لقد فهمت السبب بعدما قال لي صاحب الشقة:

بملامحه الغاضبة: "أنت شخص وحيد وكئيب ولا جدوى منك، حتى الإيجار لا تسلمه في وقته، سوف أؤجرها لشخص آخر فلا أريد رؤيتك بعد الآن".

رددت عليه والحزن يعتصر قلبي: "ولكن كيف لك أن تطردني بعد هذه السنوات التي بقيتها هنا واعتدت فيها على المكان؟ منذ أن استأجرت شقتك وأنا منتظم في التسليم".

قاطعني قائلاً: "يا إلهي، كم أنت تثرثر بلا فائدة! خذ أغراضك وانقلع من هذا المكان".

الصمت اعتلى روحي، وجمعت أغراضي مغادراً هذا المكان الذي لطالما عشت فيه القسوة والذل وكل شيء... بعدما بحثت عن شخص يشتري السيارة لم أجد من يشتريها، وبدأت الأبواب تنغلق في وجهي، وشعرت بأنني محطم كلياً، فأين أذهب في هذا الوقت من الليل؟ لا أحد أعرفه يمكنه أن يحتويني.

نظرت يميناً ويساراً والباب قد انغلق في وجهي، كانت الأجواء باردة والليالي مظلمة في هذا التوقيت، جمعت أغراضي التي كانت بجانب باب البناية، وأخذتها إلى سيارتي فهي كل ما بقي لي من ورث والدي؛ توفى وتركني أناضل في هذه الحياة. ركبت السيارة وارتكزت على المقعد ململماً ملابسي حول جسدي لعلي أدفئ نفسي، ثم شغلت السيارة لكي أبحث عن مكان يأويني لهذه الليلة. بينما كنت أتسكع حول المباني والأسواق، نظرت إلى زاوية إحدى العمارات الصغيرة، وكأن هناك شيئاً خلفها؛ ضوء أو شخص يشعل ناراً؟ ركنت السيارة ونزلت لعلي أرى ما هو ذاك الشيء، اقتربت من المكان وقلبي يملؤه الخوف والتفكير، يا ترى هل هناك أحد؟ بينما كنت أتخبط في الطريق بكل هدوء، وصلت إلى ذلك الضوء، ولكن!!

لقد كانت مجرد حاوية مملوءة بالحطب المحترق، والرائحة الكريهة تملأ المكان. أسرعت عائداً إلى سيارتي وظننت أنني سأبقى فيها حتى طلوع الفجر لأرى ما سيحدث لي...

في اليوم التالي ذهبت مرة أخرى لأبيع سيارتي الرثة والمهترئة، لأشتري سيارة أخرى يكون سعرها أقل مما أتوقعه، أريدها سيارة تستهلك الديزل بدلاً من البنزين الأخضر لأنه أقل تكلفة، فكل شيء أصبح باهظ الثمن ولم يعد بالإمكان الحصول على أفضل الأسعار.

قلت لصاحب المعرض: "أريد بيع هذه السيارة بأعلى سعر ممكن".

رد عليّ قائلاً: "سيارتك مهترئة وقديمة وذات طراز قديم، كيف لك أن تفكر حتى بأنها ستجلب لك قيمة؟".

أجبته: "هذه السيارة التي تقول عنها مهترئة ورثة، هي من أفضل السيارات المستخدمة منذ عام 1987 من الميلاد".

قال بضحكة ساخرة: "أيعقل أن هذه السيارة غالية التكلفة؟ لا أظن ذلك، اذهب وانصب على غيري، فلن أشتري منك هذه القمامة".

صمدت وغادرت المكان والتساؤل يراودني: "أيعقل أن والدي قد نصب عليّ بهذه السيارة وتركها لي دون فائدة؟!".

بينما كنت أشعر بأن كل شيء مجرد عبث في حياتي الشخصية، كانت نفسي المزعجة وتقلباتي العاطفية السيئة تزداد بسبب عدم قدرتي على قول "لا"، وهو انجراف معاكس لنفسي بدون أي فائدة لي. الأمر يشبه البحر الميت الذي لا يستطيع الإنسان صيد السمك فيه لأنه ليس هناك سمك بداخله، فأنا لست متأكداً حتى من وجود ذلك في عمق روحي، ولحظة إدراكي متأخرة للغاية. فراشاتي الزرقاء عُبث بها فتطايرت متلاشية دون أجنحة تلملم جمالها، وألواني الزاهية بهتت إلى الأبد، وعيناي البندقية تلطخت بالدموع المستمرة من الأحزان والآلام والهموم.. همسات محاصرة تقيدني بالماضي البعيد، حينما كنت في غفلة من أمري ولم أكن في وعي تام، دقات قلبي احترقت من شدة الحزن، وصرخات تعيدني إلى ما لا نهاية..


#مداد_الرها