..
صفحات متطايرة على أرض أوشكت على انعدام الغطاء النباتي، رمال مندثرة في كل مكان عشت فيه، وغبار أزلي لا زال يحوم بذاكرتي من ماضٍ قد مضى. لم أكن أعلم بأنني قد فقدت الحياة بعد ذلك، أشعر أن حياتي كانت صعبة للغاية، رغم تلك القسوة والمشقة التي واجهتني حينها؛ فراش رث مليء بالهموم والغموم التي انسكبت عليها حرقة دموعي، وصحراء قاحلة لا ماء فيها ولا مكان يمكنني أن أستقر به. في كل مرة أتنقل من مكان إلى آخر، وقد تعبت فعلاً من كل هذا العناء. أتذكر أول ديار سكنتها وكنتُ سعيدة بها؛ نهر صافٍ يجري على الياقوت والدر، ماؤه عذب أبيض مزدهر بطبيعة الأرض المخضرة، كنت ألتفت في كل زواياه المبهرة وأتممها بقولي: "يا رب ليستمر عطاؤك بالثمار".
فلماذا لا يبقى الحال كما هو؟ فأنا أرى أن هناك ما يكفي من ملذات الدنيا الأخرى؛ أعمال عظيمة وخيرات لا تُحصى، لكن سيبقى لفنجان قهوتي قطعة زجاجية تحمل معانٍ مختلفة، حتى عدد الفناجين ومستوى اعتلائها يحمل في طياته رسائل معبرة، في حالٍ لا أعرف مدى بقائه. فالأدب يمتد بين نسيج العصور القديمة والتاريخ الذي عشت فيه حياة إنسان من البادية، ولطالما حفظت أزهد الأماكن الجبلية والسهول الترابية؛ رعيت تلك الأغنام فوق هضبة خلفها كثبان رملية ناعمة، وكانت الجِمال سفينة لصحراء عصرها الذي كان من أجمل اللحظات، ركبتها واعتليت سنامها فكان مكاناً لمقعدي. ومتاعي الذي شددته لا زال يحمله جملي في ترحالي من مكانٍ إلى آخر، بعد أن أصبح المكان أرضاً جافة لا يملؤها ماء ولا رائحة ربيع مزدهر، فقد رحلت فراشتي منذ زمن قد مضى به العمر والانتظار..
كل ما عليّ فعله هو السفر إلى الصحراء حيث السكون والصفاء والإلهام الكبير، الذي يبعث في روح من يقطنها الصبر والأناة. في كل مرة تبدأ رحلتي على متن طائرة خاصة في رحلة العودة إلى الصحراء الكبرى، فقد وجدت الراحة في الهواء الطلق ورؤية ربيع شمالي مثمر، ومنازل متنقلة من خيام صغيرة تفوح منها رائحة عبق التاريخ؛ أكلت زادهم وشربت حليب الناقة؛ رغوة بيضاء مملوءة برائحة منعشة ولها نكهة خاصة. فهذه ليست مجرد كلمات عابرة، بل سطور ماضٍ عتيق لا زال محفوراً بقلبي على مر العصور.
فالعِبرة محفورة في روح الحب لهذا المكان الرائع، مَتاع متنقل على ظهر جمل قد هرم من شدة الترحال، ورغم قسوة الزمن غير أن وفاءه لم يغادرنا؛ حقاً هو ارتكاز تلك الصحراء الواسعة. هناك العديد من الذكريات في الريف والقرى المجاورة، وكثبان رملية أخرى أتت من بعيد تخبرني أن أزورها في كل مرة أشعر فيها بالحزن والألم من مكان منعزل لا أستطيع أن أتنفس فيه الهواء الطلق. سأعود وأشعل نار الحطب في مكاني الذي لطالما عشته، بين الأشجار الكبيرة والأغصان المليئة بالأشواك الصغيرة، سأكون تحتها وأجلب معي قطيع الأغنام وناقتي الصغيرة لكي تأكل من ملذات الحياة في صحراء لا زالت تحمل أجمل اللحظات..
#مداد_الرها
