.R
R A H A

خيال عجوز




في يوم من أيام بدايات فصل الشتاء القارس، ذهبت العجوز لكي تشتري بعض الأغراض الضرورية لتخزين الطعام لباقي الليالي الباردة، فالسوق قريب من منزلها على بُعد ميل واحد. بينما كانت تتمشى في الطريق المؤدي إلى السوق، وجدت فتاة صغيرة تحمل بين يديها تلك الزهور الجميلة ذات الرائحة الطيبة النقية. نظرت إلى تلك الفتاة الجميلة البريئة وقالت في قلبها: "ليتكِ ابنتي الصغيرة التي تسكن في منزلي، تهتم بي وأعتني بها". كانت العجوز تتمنى لو كان بيدها أخذ هذه الفتاة الصغيرة لكي تعيش معها، أكملت طريقها للتسوق ونظراتها معلقة بتلك الصغيرة البهية الضائعة بين شتات الليالي القاسية، في مجتمع يشقى فيه العديد من الأطفال المشردين، بملابس مهترئة ومتسخة من قلة النظافة.

بعد لحظات من شرود العجوز بخيالها، وصلت إلى وجهتها المطلوبة وبدأت بالتجول والتسوق في سوق الخضراوات والفاكهة الطازجة، واحتارت ما الذي تأخذه معها وتخزنه لباقي الأيام؛ فقد يكون الشتاء مثلجاً ويغطي جميع المباني بالحبيبات الكبيرة. فقبل أيام، تم تحذير الناس من موجة أمطار ورياح وصقيع تضرب فرنسا، وطُلب من الجميع أن يخزنوا كل الموارد اللازمة لإنقاذ حياتهم اليومية. بعد مدة من تسوقها، فكرت بالذهاب لشراء ملابس جديدة لتلك الفتاة، فغادرت المكان إلى موقع آخر لعلها تجد المطلوب، ثم توقفت تنتظر سيارة أجرة لإكمال طريقها لأن السوق الآخر كان بعيداً عن المنطقة التي تعيش فيها.

استأجرت السيارة وغادرت المكان، ونظرت من النافذة إلى تلك المباني العالية التي تسكنها العديد من العائلات الكبيرة والصغيرة، الذين يحملون بين أيديهم أطفالاً يعيدون البهجة والسرور إليهم. شعرت بالأسى على حالها؛ وحيدة بلا أحد يحتويها. تساقطت قطرات الندى على أطراف النافذة الزجاجية الصغيرة للسيارة، ففرحت وطلبت من السائق أن يفتح النافذة قليلاً لكي تشم رائحة المطر النقي، ودعت الله بأن تكون أيامها الأخيرة أسعد لحظات حياتها. بعد بضعة دقائق وصلت إلى وجهتها...

قاطع خيالها صوت السائق قائلاً: "هيا أيتها العجوز لقد وصلنا".

نظرت إليه بشرود وقالت: "حسناً، تفضل المال".

وصلت إلى منزلها وخلعت معطفها لتضعه في الدولاب بجانب الباب، ثم بدأت بعد ذلك بترتيب الأغراض في الثلاجة. وبينما كانت ترتبها، شعرت بأنها متعبة بعد مشوار طويل، فاستلقت على تلك الأريكة الصغيرة بجانب المدفأة وغفت حينها. كانت الأجواء قارسة وشديدة البرودة، فجاءت رياح تعصف بنوافذ منزلها مما جعلها تصحو من غفوتها، وهرعت مسرعة لتغلق النوافذ. كانت تشعر فجأة بالخفة وتتمتع بطاقة كبيرة للغاية، فأسرعت وخرجت لتنظر من خلال شق الباب، فرأت أن الثلج قد غطى نصف المنزل، فقالت في نفسها: "سوف أرتب المنزل، إنني أشعر بالراحة والطاقة الحيوية لأول مرة". كانت العجوز تشعر بالسعادة والبهجة في آن واحد.

نظرت في تلك المرآة الصغيرة بجانب المطبخ، فاصابتها الدهشة ونظرت بتعجب وصرخت: "من أنتِ؟ من أنتِ؟!". لقد كانت هي، ولكن جسدها تحول إلى فتاة في سن المراهقة، راشدة وجذابة في نفس الوقت! تذكرت دعوتها عندما تمنت أن تكون لحظاتها القادمة أفضل، وها هي الآن تعيش باقي حياتها وكأنه عمر جديد أُهدي إليها.

ربما تجد فارس أحلامها... أو مهما كان خيالك أيها القارئ لهذه العجوز التي تحولت إلى فتاة جميلة.


#مداد_الرها