شرارة ..



لم يكن الأمر مجرد تساؤل، ولم يكن هناك مفرٌ من كل هذا..

عقباتٌ كالشرر تحوم حولي، صراخٌ متلازم، جراحٌ متلاطمة، دموعٌ منهمرة، وبكاءٌ شديد في كل ليلة. عمري يتلاشى، لم أشعر بشيء سوى كدماتٍ تتلون من جديد، وكآبةٍ متلازمة تسقط عليّ كالحجارة.

صرختُ مناديةً: "ساعدوني".. لم يكن أحد حولي. إلى أين أختفي؟ وكيف أترك كل شيء خلفي؟

زحامٌ كالظل الذي لم يبقَ فيه غيري، تتعالى الروح مقيدةً بالسلاسل، وشرارةٌ مظلمة بداخلي تحاول الفرار. لم أتمم ما سعيت إليه ولو يوماً، طعنةٌ في صدري بخيانةٍ غير متوقعة، اصطدمتُ بزوايا ضيقة لا مهرب منها؛ منهارةٌ ووحيدة، وفي داخلي جرحٌ لم يندمل. عثراتٌ من شقاء الحياة دمرتني إلى قطعٍ من حطام، تمزقت روحي ومبعثرةٌ أفكاري، وكدماتٌ لا زالت تحفر القصص على جسدي.

مرهقة.. ممزقة.. ضائعة.. متاهات.. تحطم.. كبرياء.

كل شيء حولي مجرد صفحة مطوية في إحدى المجلدات المهترئة، ولا زال هناك الكثير أمامي. وكأنني أصبحت الآن أفضل من ذي قبل؛ فالتبادل الكتابي بين عقلي وقلمي بات أكثر أهمية بالنسبة لي من تلك الفترة الطويلة الماضية التي عشت فيها أسوأ لحظاتي؛ ساعاتٌ قليلة مررت بها لكنها كانت كفيلة بالتغيير الجذري لذاتي الجديدة. ربما كان اليأس حليفي، لكن الكدمات علمتني معنى القسوة والألم الذي أصابني، وعلمتني بأن الحياة لا تقف على عتبة كدمة دون أخذ العبرة منها.

فكرت ملياً لكن لم يعجبني ما أصبحت عليه؛ كثيرٌ من اللامبالاة والغطرسة يشتعل في داخلي. أردت دوماً السعي خلف طموحاتي وشغفي لنفسي فقط، وكأن العالم ولا شيء أمامي. أردت الاستيلاء على الكل وأخذ عطاياهم البهية، فالسعي خلف الكواليس كاد يسودها كالخوف الذي أنتظر أن يبقى حليفاً لي وحدي، أردته بكل قوة أن يبقى كالظل بلا رؤية.


وقفتُ أمام المرأة، لم أعد أتعرف على ملامحي القديمة؛ تلك الملامح التي كانت ترتعد خوفاً وتستجدي النجاة. كان الانكسار قد اكتمل، ومن بين الحطام تولدت رغبة عارمة في الامتلاك، رغبة في التلاشي والغلبة في آن واحد. لم تعد الجراح تُبكيني، بل أصبحت تُغذّي في داخلي طاقة غريبة، قاسية، لا ترحم. لقد أدركتُ أن من عاش في القاع زمناً، لا يرعبه السقوط، بل يدفعه لنزع الخوف من قلوب الآخرين وغرسه في صدورهم.

بدأت ألملم شعث أفكاري المبعثرة، لا لكي أرمم ما انكسر، بل لأسكبه صُلباً في قالب جديد. تحولت تلك الكدمات التي كانت تحفر حكايات الضعف على جسدي إلى دروع صامتة، وصرتُ أنظر إلى الصراخ والدموع القديمة وكأنها ضريبة جرى دفعها بالكامل لقاء حريتي الجديدة. القسوة لم تعد خياراً أتهرب منه، بل أصبحت لغتي الأنسب لمواجهة هذا العالم؛ عالم لا يعترف بالضعفاء ولا يمنح طوق النجاة لمن يكتفي بالمطالبة به.

سأستمر في هذا السعي، خلف الكواليس، حيث تُحاك القوة بعيداً عن أعين المتطلعين. لن أطلب العون مجدداً، ولن أنتظر صدفة تُغير مجرى الطريق؛ فقد تعلمتُ أن الشغف حين يلتهم الخوف، يتحول إلى سلطة لا تُقهر، وأن الروح التي تمزقت يوماً هي وحدها القادرة على أن تُعيد تشكيل الحقيقة كما تشاء، بلا تردد ولا ندم.


#مداد_الرها




أهلاً بك في 'مداد الرها'. هنا مساحةٌ للقاء الأفكار وتبادل الكلمات.
يسعدني جداً أن أقرأ تعليقاتكم وانطباعاتكم حول ما أكتب، فآراؤكم هي مرآةٌ أخرى لنصوصي.

أرجو أن تظل تعليقاتنا في إطار الاحترام المتبادل ليبقى المكان كما أحببناه..
بانتظار بوحكم.📖

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم