تمر كل لحظة من حياتي وأنا أقضيها بين الرحلة والنور، تحت الرمال المغطاة بأرجل متشققة من مغامراتي. عندما يخطر في بالي الزمن الطويل الذي لم أجد فيه من يفهم مشاعري، أعود لألقي نظرة على تلك السفينة التي ابتلعها الزمان منذ عهودٍ طويلة، فكان الغبار يملأ كل جوانبها الرثة، والصدأ الذي غطاها بدأ يمحو الاسم الذي لطالما كنت أفتخر به؛ إنه لقبنا "أسياد البحار"، الذي يذكرني بتلك الذكرى التي أعود إليها في كل مرة أرى فيها رحلتي الأخيرة، فلقد استمرت سنوات عديدة على مدار تاريخها.
أسعد من قلب ذرة فقدت روحي، فلقد انتظرت وصوله فترات طويلة، ولم يعد هناك وقتٌ كافٍ للعودة إلى الحياةِ؛ فآخر مرة رافقني فيها كانت في مغامرة صيد أسماك القرش، عندما أخبرني أننا سنكمل كل مغامرة نقوم بها وسنكون معاً، لكن ماذا حدث له؟ اختفى فجأةً ويبدو أنه غرق... لقد كان والدي! هل ما زال يتذكر ما قاله لي؟ من وقتها خشيت العودة لمغامرات الغوصِ، لأنني أعتقد أنها لم تعد كما كانت من قبل، فليس لدي شيءٌ يجعلني أُكمِل، لا شيء سوى أن أقول له شيئاً كان سيسعده كثيراً لو قلته له في أيام زماننا، زمن الإبحار والجزر.
أن أقول له إنني رُقيت من كوني بحاراً إلى غواصٍ، حينها كانت ستتملكني الفرحة والسرور في أعماق قلبي عندما أرى ابتسامته، وقتها لن أعرف كيف أصف السعادة التي كانت ستغمرني داخلي؛ فحلمه قد تحقق بعد تعب واجتهاد كبير مني في أعماق البحار. فكرت في أول شخصٍ سيسافر برفقتي إلى عمق القاع لإكمال صيد الأسماك, لكنه غير موجود الآن؛ صديقي الذي كان يعيش معي على الحلوة والمُرة، قد أخذه الموت بعيداً عني.
صحيح أنني بدأت أهتم بحياتي حتى بلغت مشاركتي أيامها مع زوجتي، وأنجبت طفلاً بعد سنوات من الانتظار الطويل، ولكن الأهم من هذا الخبر هو أنني أسميته "غواصاً" تيمناً بأيام البحار. في كل يوم من أيامي أتذكره وأعود إلى أيامنا التي خلت بعد أن كبرت في العمر وشاب وجهي. أتذكر عندما سقطت من أعلى السطح بجوار حمام السباحة؛ لقد كان الوضع مؤلماً في ذلك الوقت، لكنه لم يهتم وكانت ضحكته تملأ وجهه. هل تعلمون ما هو الأهم من كل هذا؟ أننا ما زلنا معاً ونتواصل في كل لحظة مهما تباعدت الأيام والأمكنة، سنستمر في العيش عبر الزمن، وستبقى لحظاتنا إلى الأبد في كتاب أبطال الإبحار تحت القاع. كل فكرة ولحظة تأتي إليّ سيتم تسجيلها في عناوين الصحف، لذا يجب عليّ العودة في أسرع وقت حتى أتمكن من مواصلة رحلة أيامنا في زمن تغير ولم يغيرنا. كنت دوماً بخير أينما كنت، وتذكرت أن الجهد الذي بذلناه وحققناه لم يكن أمراً سهلاً حقاً، وكان عليّ في نهاية المطاف تحمل مسؤولية هذه الترقية، لأن الأهداف أعمق بكثير مما نتخيلها..
فالآن أصبحت أول قبطان يستمر بصيد السمك على قاربه الجديد، ويتذكر صاحبه الذي لا يزال يعيش في هذه السفينة؛ ذِكرى شامخة تولد أجيالاً جديدة، فالرحلة على وشك البدء، وستكون بداية حياة جديدة لي في أعماق البحار.. مواجهاً المخاطر الأخرى كقبطان للسفينة.
#مداد_الرها
