ليس هناك نكهة معينة تُعدل مزاجي غير البُن ذي الجودة الأصلية التي تكون ممزوجةً بالحليب الأبيض، والقهوة الممزوجة بنكهة المُر، والسكر البني المحلى برائحة الورد الأبيض، في كل مكان وزمان نجدها، لكنني لا زلت أحب شرب القهوة المُرّة فليس في حياتي من يعكر مرارتها غيرها، فوجودها هو مصدر السعادة بالنسبة لي. عشت أياماً، جزء بسيط منها من الطفولة إلى عمر الزهور الذي عشت فيه سنوات من الدراسة والجهد، تخرجت في كلية الطب بجامعة في أمريكا، بعد عناء عشر سنوات من الدراسة وفقني الله في دراستي الجامعية والتخرج بمعدلٍ عالٍ.. بعيدة عن عائلتي كثيراً، فهم يعيشون في السعودية، قبل شهر كانوا متواجدين بالقرب مني، لكن لا يسعهم البقاء طويلاً في هذا المكان، فأنا أعيش بمنزل صديقتي ياسمين في مدينة نيويورك. الدراسة جميلة وصعبة في هذه الغربة، أن تكون طبيباً معالجاً وتنقذ الكثير من المرضى ستعرف معنى شعوري، بين الحياة والموت نراهم يتمسكون بجزء من أمل لعلهم يبرأون ويخرجون بصحة وعافية، فالمهنة ليست بشيء سهل ولا صعب في آن واحد، لكن الله يكتب أجري ولعلي أنقذ ذات يوم تلك الروح الفاقدة لشعور الراحة، فنحن نُساهم بجزء بسيط فقط في إنقاذ حياتهم.
فبعض الأمراض ليس لها علاج، وبعضها يمكننا علاجه، في كل مرة أرى العديد منهم يعانون ويصرخون من شدة الألم، نجد أطفالاً كالفراشات الجميلة المتلونة يعانون من مرض مزمن، وهناك الكثير منا لا يعرف مأساة المرضى غير من يتعاملون في هذا المجال، فهو مجال واسع النطاق لكي يكون مصدراً لإنقاذ الإنسان من الخطر الذي يمر به..
في ليلة مظلمة وهادئة، كنت في المستشفى أعمل كالمعتاد، وكان المكان هادئاً، كان كل شيء على ما يرام ولم يكن هناك مرضى جدد لهذا اليوم، لذلك خطر لي أن أذهب وأحضر بعض القهوة السوداء المُرّة وبعض الحليب المكثف وكعكة الشوكولاتة، وعدتُ إلى مكتب الاستعلامات، ثم أمسكت بقلمي الأزرق الذي ملأته بالحبر، لأدون فيه كافة بيانات المرضى الذين سيتم تسجيلهم للخروج من المستشفى، سمعت صوتاً من بعيد ينادي باسمي..
"سُهير سُهير ..."
كانت صديقتي تناديني من بعيد تريد أن تطلب قهوة، ولم تعرف أنني طلبت قهوتي كالمعتاد قبل مجيئها..
وبضحكة ناعمة: "نعم، لقد طلبت قهوتي منذ لحظات، لذلك فقط اذهبي للغرفة رقم 15، ينتظركِ المريض."
وبصوتها العالي من بعيد: "هذه المرة سأفحص المريض وأعود إليكِ يا سُهير."
بعد لحظات وبينما كنت أسجل أسماء هؤلاء المرضى، صادفت هذا الرجل الغريب قادماً باتجاه الاستعلامات وكأنه يريد المتاعب، كان يرتدي رداءً أسود وقناعاً ملطخاً باللون الأبيض، وطلب مني معرفة بعض التفاصيل حتى يتعرف على شخص مريض هنا، كان صوته ناعماً وهادئاً، لكن مظهره كان غريباً، إنه شخص متعجرف للغاية بناءً على مظهره، لقد شككت فيه للوهلة الأولى، وأخذ ينظر إلى كل زوايا المكان باحثاً عن شيء ما، ولم يكن وجهه واضحاً بسبب الغطاء الذي وضعه على عينه اليمنى، كما كان يرتدي قفازات حمراء، نظرت إليه بعناية حتى لا أنساه بعد أن نظر بعيداً عني.
* بصوت ناعم وهادئ أردف قائلاً: من فضلكِ أيمكنني أن أعرف معلومة عن شخص ما؟ منذُ مدة أتى مريض بسبب حادث مروع للمستشفى وكانت إصاباته خطيرة.. "اسمه سعيد بن عفان."
* لحظة من فضلكِ.. "سأبحث في السجل الذي بيدي لأنني بالعادة أسجل كل مريض."
بعد دقائق من البحث.. أجبته: تذكرت هذا الشخص، كان في طوارئ الخاصة، لكنه قد توفي فور وصوله مع الأسف.
كانت ملامحه قد تغيرت، شعرت بأنه حزين وفي نفس اللحظة يبتهج ولكنّ أمره لم يكن طبيعياً.. وغادر فور إخباره..
حياة المرضى والزوار مختلفة تماماً عن كل شخص يأتي إلى المستشفى، تصادفني الكثير من المشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية التي تمر من هذا المكان، فمنهم من كان تعامله محترماً ومنهم من يقلل من شأن الآخرين، وبعضهم يجعلك تشعر بالذنب، فحياة الأطباء بشتى أنواعها تختلف، بعضهم تعامله كالعسل ورقيق اللسان والآخر نجده يشعرك بأنك إنسان منحط ولا تفكر بشيء جيد اتجاهه، رغم كل هذا اعتدت على شتى الأساليب التي تعاملت معها، لكن لن أستطيع نسيان ذلك المريض، كان صغير السن وبشوش الوجه، كان رغم المرض الذي أصابه لا يزال يحمل البهجة بقلبه، طفل يحمل بين عينيه البراءة، ما ذنبه حتى يصبح جليساً في هذه الغرفة؟ لماذا قسوة الحياة تصيب الصغير والكبير؟ هل هذه طبيعة الحياة أم لأنني طبيبة ويجب عليّ مواجهة كل هذا؟.. لطالما كنت أشعر بالسعادة بالقرب من هؤلاء المرضى..
"طبيبة سُهير، لماذا اليوم وجهكِ ليس مبتهجاً كما عادتكِ؟"
أردفت بكل هدوء أيها الطفل الجميل: "لا يسعني حمل نبأ إخبارك بهذه التحاليل الطبية."
وبضحكة طفولية أردف بقوله: "صحيح أنني ذو السبع سنوات وأصابني هذا المرض، لكن عندما أرى الأطفال الباقين الذين يحملون آلاماً أكثر مني فالحمد لله كثيراً"
"لهذا أنا أسميتك الطفل البطل"
كان هذا البطل الصغير وسيماً وفعلًا هو وسيم وبشوش الوجه، كان في كل مرة يحاول الخروج من غرفته إلى مكتبي عند الاستعلامات، ولأنه لا يستطيع الخروج خارج المستشفى فكانت عائلته قد حجزت الغرفة وجعلوها شبه حديقة، ألعاب صغيرة وسيارة، كان وحيد عائلته والمدلل، كانت مستشفى خاصة فقد جلس فيها ستة أشهر تقريباً، مراجعات الأطباء كانت تؤلمه، رغم هذا كان صبوراً ومتفائلاً، كل صباح ومساء أراه يقف على عتبة النافذة لرؤية الفناء الخارجي، لكن كيف يرى الجميع يتمتعون براحة البال وخارجين عن هذا المكان، فكان من الصعب عليّ رؤيته حزيناً، ذات مرة خرجت برفقته أعلى السطح، كان يستمتع بالهواء الطلق، بينما كان يلعب أخذت قهوتي وأنظر إليه، وأكتب تقريراً كاملاً عنه، فجلس بالقرب مني.
وأردف بقوله: "طبيبة سُهير، لماذا في كل مرة أراكِ تعملين مع المرضى وأجد بين يديكِ هذه القهوة؟"
بضحكة صامتة: "لأنني لا أعرف أن أكمل باقي معالجات المرضى دونها"
"ولكن هل القهوة مضرة بالصحة؟"
"صحيح، القهوة مضرة بالصحة ولكن بطبيعة الحال هي تُعدل المزاج بعد تعب شديد وإرهاق من كثرة الأعمال"
بعد لحظات من الجلوس على السطح، اتصلت بي ياسمين بأن عليّ الإسراع فهناك طوارئ لحادث ويجب أن أكون هناك، حينها تركتُ قهوتي وحاولت أخذ الطفل إلى غرفته، ولكن لم يكن يريد الذهاب والوقت يمضي، فطلبت منه أن يبقى هنا لحين أن تحضر إحدى الممرضات فوافق وجلس، وبينما أسرع باتجاه الطوارئ وأحاول إنقاذ المريض، كان شبه ميت حينما وصلنا وحاولنا إنقاذه بالإنعاش القلبي، ولكن قد فات الوقت فقد مات بين أيدينا، فلم يكن باليد حيلة سوى محاولات أخرى حتى نفقد الأمل..
انتهى يومي بين جمال وإرهاق، فكان لدي مناوبة في منتصف الليل، فقد مرّ اليوم كله دون أن أشعر بشيء، فليس لدي وقت فراغ أفكر فيه، فحياتي أصبحت عبارة عن مرضى، فحياة الطب ليست مما تجعلك تفكر بالفراغات الداخلية لأنك ستكون بحاجة إلى وقت أطول للراحة فقط.
لم أرَ وسيم منذ أن كنت في السطح فقد انشغلت كثيراً في هذا اليوم، فجاءت إليّ ياسمين، وجلسنا في مناوبة المريض في العناية المركزة، كان هذا المريض عليه ملاحظات بأنه يجب علينا الحرص على سلامته ومراقبة متى يستقر وضعه الصحي، بينما كنا جالستين، أحضرت قهوتي ولياسمين قهوتها فالليل طويل ويجب علينا أن نكون في أتم الاستعداد لمواجهة المرضى، ورصد حالة هذا المرض.
"هل رأيت اليوم الطفل وسيم يا سُهير؟"
"نعم، كنا في السطح ظهر اليوم"
"لقد انتكست حالته الصحية وتم تحويله للعناية"
"كيف! ومتى تم وضعه في العناية؟"
"أظن بعدما تركتِه وحيداً في السطح"
خرجت من غرفة العناية المركزة ومسرعة إلى غرفة وسيم دون مبالاة، دخلت لغرفته فكانت فارغة إلا من ألعابه المرمية في كل زوايا الغرفة.
"في أي غرفة تم نقل الطفل وسيم؟"
"غرفة 122، ولكنه في غرفة العمليات، وخرج قبل قليل"
كان الوقت قد مضى منتصف الليل وأواخره، فقد تعلقت بهذا الطفل ولكن كان مرضه شديداً، ولم يتم تشخيصه بعد إن كان مرضاً مزمناً أو مرضاً خطيراً، جلست الفجر كله أنتظر خروجه، ولكن أتى الطبيب المعالج وأخبرني أنه سوف يبقى لمدة أطول بالعناية، حينها عُدت إلى ياسمين وانتهت المناوبة، وانتهى دوامي حينها..
في كل مرة أرى أطفالاً يتألمون ومرضى في لحظات يفقدون الأمل ويرحلون، كنت أشعر بالبهجة عند شفائهم وخروجهم بصحة وعافية، فكان علينا نحن كأطباء أن نصبر ونتحمل كل شيء، من المناظر السيئة إلى المناظر الجميلة، وأن يكون أجرنا على الله...
#مداد_الرها

