تحت الركام
يا لجمال تفاصيل مدينتي وهي تعلو بأصوات العصافير وزقزقتها في السماء! كان يوماً هادئاً جداً من أيام الخميس. فتاة في عمر الزهور تعيش في أحد الأماكن بمدينة يعلوها الأمان، ويضمها مسجدٌ يتمنى الكل الوصول إليه. ورغم قسوة الحياة والحروب التي حدثت منذ زمن قد مضى، أراها بدأت تعود بماضٍ أليم؛ ففي أي لحظة قد أكون تحت الركام! لكن رغم الظروف القاسية التي نعيشها، لا يزال الأمل بداخلي بأن ذات يوم سيتلاشى كل هذا الألم.
اسمي "بهجة" وأحب الطبخ للغاية؛ فكل يوم أُجهّز الإفطار في المطبخ لأمي الغالية، إذ لم يتبقَّ لي غيرها بعدما تركنا والدي وذهب إلى الحرب. وفي كل مرة تغادر فيها والدتي لأجل إحضار نواقص منزلنا، أشعر كثيراً بفقدان الأمل في تلك اللحظات. لطالما كنتُ أشعر بالسعادة عندما أرى عائلتي بجانبي جميعاً، لكنني فقدتُ صديقاتي كلهن تحت ركام الأنقاض، ولم يتبقَّ سوى القليل من الجيران بالجوار.
قُلت يوماً: "ماما، أيعقل أن يستمر هذا الحال ولن ينجو أحد؟"
جلست بجانبي، والدموع تترقرق في عينيها قائلة: "يا ابنتي العزيزة، الحرب شيء صعب جداً، لكن خلف كل ظلام هناك نورٌ يسطع ومعه الفرج. نحن نحارب من أجل السلام والحرية، ونتمنى أن تنتهي الحرب قريباً، وحتى ذلك الحين، يجب علينا أن نظل قويات، وندعو بالسلام والأمان للجميع رغم كل شيء يحدث حولنا."
رددتُ بصوت هادئ والحزن يملأني: "لكن والدي قوي، بالتأكيد سوف يهزم المجرمين."
لم ترد عليّ حينها، وغادرت المنزل بعدها بقليل. وبينما كنتُ أنظر إليها، سمعتُ صوت تحطيم هائل بجانب منزلنا! صرختُ بذعر، فوالدتي كانت قد خرجت للتو.. رددتُ كلماتي الصغيرة باكية: "ماما.. ماما لا تذهبي!"، ولكن الأمر كان قد حدث بالفعل، ورأيتها تحت الحطام. لم أستطع الخروج حينها، واكتفيت بالنظر من النافذة التي تطل على الفناء الخارجي. لم أتمالك نفسي، بل ركضتُ باتجاه المطبخ وجلستُ تحت الطاولة التي صنعها والدي، وكان قد قال لي يوماً: "حينما يحدث شيء ما، اختبئي تحتها".
اعتلى الصمت قلبي ولم أستطع البكاء، ثم سمعتُ قنابل أخرى تسقط والأرض بدأت تزلزل من تحتي. أغمضتُ عينيّ ولم أفتحهما إلا بعدما سمعتُ صوت أحدهم ينادي من بعيد: "هل هناك أحد هنا؟ نحن الجيش".
ورأيتُ النور رغم أنني فقدتُ أغلى ما أملك.. نعم، أنا هنا، وخرجتُ معهم حينها.. كانت هذه آخر لحظاتي في منزلي.
#مداد_الرها

تعليقات
إرسال تعليق