الصمت الأزرق



وضعتُ يديّ الناعمتين على تلك القطعة الصغيرة ذات اللون الأزرق، والتي تبدل نصفها إلى اللون الأبيض. همستُ في أعماق روحي بصوت الصمت الذي لطالما كنتُ صامدة فيه حتى أصبحتُ صامتة. عدتُ بعد لحظات قليلة إلى الأريكة المهترئة الرقيقة المكسوة باللون الأزرق وجعلتها تصبح بيضاء، فقد ارتديتُ فستاني الأبيض؛ شعرتُ بالانتماء إليها والرغبة في البقاء معها، ورغم ذلك كانت هناك فجوة كبيرة بداخلها، إذ تمزقت إلى أشلاء بسبب الترميم والغبار المتراكم عليها. لم تكن يوماً بهذا السوء، إلا أنها أصبحت كذلك؛ فالموج مهما كان لونه أبيض، سنرى يقبع في داخله لونٌ أزرق.

كانت حياتي عبارة عن وجودٍ في مكانٍ خارج منزل العائلة، وحيدةً ومنعزلةً عن العالم، في ملحقٍ داخلي استطعتُ فيه التغلب على كل شيء كنتُ لا أريده أو لا أحبه. كانت علاقتي مع أهلي شبه منفصلة بسبب انشغالهم في هذه الحياة، فهذا الملحق الذي أعيش فيه ليس مجرد بيت لي، بل هو قاع المحيط الهادئ لروحي. وفي كل مرة أشعر فيها بالسعادة، أجد نفسي محاطة بكمية من التفاصيل الدقيقة على شكل قلب مِرجاني مزرقّ، وصوت دلافين يُحلّق فوق رأسي وهمسات صغيرة بأصواتهن الرنانة؛ كان ذلك جزءاً من ضوء سلسلةٍ اشتريتها من أحد التطبيقات، تعكس إضاءتها على غرفتي كلها.

بينما أعيش جزءاً من هذه اللحظات، وجدتُ كتابي المخفي تحت أدراجٍ مغلقة منذ زمن؛ كان كتاباً يحمل بين طياته صوراً رائعة لطفولتي. كمية الصمت الذي كنتُ أعيش فيه لم تكن طبيعية! بل كانت كصفحة مطوية في كتاب ممزق. لم يحالفني الحظ ولا الزمن في جعل هذا الصمت يزول، وفرط الحزن بداخلي بسببه هو ما جعلني أتحول إلى "الصمت الأزرق" القابع في جدران بحرٍ متبخرٍ في أي لحظة.

انقطعت الكهرباء فجأة في الملحق وأنا أكتب في هذا الكتاب الذي أصبح سرّي المدفون، وسمعتُ صوت أحدهم قادماً، ويعلو صوته مقاطعاً أفكاري.

صرختْ قائلةً بصوت مرتفع: "اخرجي أيتها الفتاة البلهاء، متأكدة أن كل هذا بسببكِ!"

رددتُ عليها مستخدمةً لغة الإشارة: "أنا أسمعكِ، لكنني لا أفهمكِ جيداً."

قالت بسخرية: "بالتأكيد لن تفهمي كلامي، بسبب الكم الهائل من الصمت الذي تعيشين فيه."

أشرتُ لها: "وهل هناك مفرٌ من الصمت الداخلي؟ أم لأنني لا أريد التحدث أصبحتُ مجرد همسة مرمية في هذا الملحق؟"

والقهقهة تعلو وجهها، قالت: "نعم؟ ماذا تقولين؟ الصمت الداخلي؟"

ونطقتُ حينها بصوتي الرقيق: "وهل تعرفين معنى الاستقرار الداخلي والراحة من ضجيج هذا العالم؟"

عمّ الصمت نظراتها، وغادرت من أمامي، فكيف لها أن تفهم ذلك وهي حتى لا تعرف أن الراحة تكمن في الاستمرار بالبحث عن السكينة والهدوء النفسي؟ فهذا اللون المحيط بي ليس مجرد لون، بل هو مرآة تعكس البهجة على روحٍ كانت تبحث عن صمتها الداخلي؛ فضجيج العالم لا يتسع لراحتي..

#مداد_الرها


تعليقات

المشاركات الشائعة