.R
R A H A

مذكرات القمر وطفلته قمران

 يومي فارغ اليوم، وليس هناك أُناس يتمشون تحت نوري الساطع في سمائي المُنيرة، وكأن البشرية انقرضت.




نجوم حولي وكواكب ملبدة بالغيوم الساحرة، وكأن هناك من يريدني أن أصحو من مكاني لكي أشع نورًا مليئًا بالبهجة الجميلة على هؤلاء الحزينين القابعين تحت الظُلمات بلا مأوى ولا مسكن، مُشردين ولاجئين بين الخيام وطلب العون. رأيت طفلة تنظر إلي وعيناها مليئتان بالحزن، وفي الوقت ذاته شعرت بهمساتها وهي تمد يداها إلي، كانت فتاة صغيرة وجنتاها مُحمرتان من شدة البرد والقسوة التي تعيشها. حقًا كان ضوئي مشعًا فوق خيمتها الصغيرة التي تفتقر للقوة أو حتى لجدار يحميها مما يحدث خلفها، رأيتها تبكي في كل ليلة تطلب مني أن أكون قمرًا مستديمًا ولا أختفي، وكان يحزنني في كل نهاية شهر ألا يكون لي ضوء عالٍ على منزلها الصغير. أرى وجنتيها ملؤهما المشقة والتعب، وكانت من بين تلك الحشود هي الوحيدة التي تلفت نظري، آه لو أستطيع أن أشعل لها ضوءًا لا يختفي! أنا قمر زماني ولكنني لم أترك في زاويتها شمعة تضيء بدموعها. كانت تجري في كل صباح، لكن الشمس بنورها وحرارتها الشديدة كانت تحجب عني رؤيتها، وتفرح الطفلة في كل ليلة أكون بجانبها مُضيئًا مستقرًا أعلى رأسها، وكأن العالم لا مكان فيه لها غيري.

في كل ليلة أنظر إليها لعلي أرى البهجة لو لثوانٍ على وجنتيها الجميلتين، كانت هي من تؤمن لإخوتها الأكل والمفرش، لم أرَ لها عائلة غير الصغير بين أحضانها، وكانت هي من تطعمه في كل يوم يمر بحياتها، فهي أب وأم لذلك الطفل.

ياه! اليوم لم أستطع رؤية تلك الفتاة، فكانت الغيوم حولي والسماء تمطر بالخيرات فوق الأرض، أخاف أن يفوت الأوان ولا أرى صديقتي الصغيرة التي أسميتها "القمران"؛ لأنني أحب أن أراها مُبتسمة عند إنارتي فوقها. لعل تلك السُحب ستطول وهي تمطر، أتمنى ألا تتدفق تلك القطرات فوق خيمة "القمران"، لأنها كانت هي من تبهج روحي فاعتاد نوري على رؤياها دومًا. وجهها كالنور الأبيض فوق سماء مُزدهرة بسحاب أبيض أزهر بقطرات الندى، وكالعصافير التي تقف أعلى الخيمة البيضاء الصغيرة بدون أن تسقط شيئًا منها، يا طفلتي "قمران" ما الذي حدث معكِ؟

طال اليوم بأكمله ولم يحالف نوري التوفيق ليراها، "قمران" لعلي أراكِ بخير، ويا مطر السماء الباهية خفّ على دار محبوبتي بقطراتك اللطيفة. أنا القمر البهي خلف قضبان السماء أشع بنوري لذاك المحبوب الذي كان يكتب القصائد وعيناه ملؤهما الفرح من كل ضياء مُشع.

مر اليوم بأكمله حتى أتى الليل بعتمته كالعادة، وكنت أنظر بكل لهفة لكي أرى فتاتي الجميلة "قمران" وأن تكون بخير. نظرت إلى جموع الناس ولم ألمح لها مرورًا، كانت الأرض مليئة بالمياه الراكدة والسيول العميقة، وكانت الخيام منعدمة بسبب السيول الجارفة والفيضانات التي نزلت من الأودية على المكان بأكمله لكل اللاجئين، وكانت من ضمنهم خيمة "القمران" ليست في مكانها، فقد مسح وجرف السيل كل شيء! يا "قمران" هل أنتِ بخير؟ أين ألقاكِ بعد كل ذلك؟ اعتاد نوري عليكِ، والحزن ملأ ضيائي بعدم رؤياكِ، يا مطر اذهب بها إلى مكان أفضل من مكانها المُعتم بلا جريان ولا همّ على قلب محبوبي.

صحيح أنني قمر ومهمتي أن أضيء على الكون والأرض بضيائي، لكن "قمران" كانت هي من كنت أترقب رؤيتها بشدة، فقد جرفها السيل إلى مكان ما، لربما ماتت أو أصبحت في مكان آخر... لن يختفي نوري يا "قمران"، فحتى على قبركِ سأكون ضوءكِ الوحيد..



#مداد_الرها