مرحبًا أيتها الأوراق البيضاء؛ أنا صديقتك الجديدة "ميرلا"، سأكون رفيقتك فكوني كذلك لي. أنا وحيدة عائلتي؛ والدي عصبي جدًا معي ودومًا يضربني بلا سبب، منذ أن ماتت والدتي وهو على هذا الحال. تزوج من بعدها امرأة أخرى غيرت مجرى حياتي.. تجعلني أرتب البيت وأقوم بأعمالها ثم تنسبها لنفسها، أما والدي فهو يصدقها أكثر مني لأنه يحبها أكثر مما كان يحب والدتي. ليس لدي أصدقاء كثيرون، أمتلك صديقًا اسمه "ماكس"، وهو أقربهم إلي في هذه الفترة.
اليوم قرر أحد أصدقائي الذهاب إلى منتجع سياحي وقد دعاني إليه.. قررت الذهاب مع الأصدقاء لكي أرى تجهيزات الحفلة. لقد كان كل شيء مُرتبًا، أنا متوترة حقًا، فهذه أول مرة سأذهب فيها إلى حفلة كهذه! وخائفة لأنني سأكسر قوانين والدي، لكنني كبرت ولم أعد صغيرة وأريد الذهاب، وليحصل ما يحصل، لم أعد أهتم.. رغم أنه قد حذرني مسبقًا بأنه سيحدث لي مكروه إن ذهبت، ولكن مع ذلك أنا سعيدة بذهابي برفقة ماكس؛ لأنني أشعر بالأمان معه، ولن يصيبني مكروه وأنا بجواره، فنحن معًا منذ صغرنا. أعلم أنني عنيدة لكنني متشوقة لهذا، ومع هذا كله أشعر بالخيبة لأن والدي لم يوافق، سأعود في أبكر ساعة ممكنة دون أن يكتشف ذهابي، سوف أذهب الآن لتجهيز أغراضي.
ها قد أقبلت ليلة هروبي، أشعر بخوف شديد، والآن أنا سعيدة لأن يومي سيكون بعيدًا عن الضرب والعصبية. حقًا كسبت كل شيء من والدي إلا الأمان والطمأنينة؛ يرفض الأشياء التي أحبها ويكسر أثمن ما لدي. داخلي يحمل كرهًا شديدًا لوالدي ويريد تحطيمه، ما في روحي حزن عميق، وأشكي همومًا تتعالى. طريقي قدري، واختياراتي دومًا لعلها تكون صائبة. كيف أجدُ الحنين في شخص ما؟ أتمنى أن يكون ماكس صديقي الوفي دائمًا، فأنا أشعر بالدفء قربه...
ذهبت برفقة صديقي واشتريت الكثير من الأشياء للحفلة، سعادة غامرة تغمرني فور التفكير بالأمر؛ أحقًا أنا هنا في الحفلة وأرى أصدقائي وأستمتع برفقتهم؟ بالتفكير في ذلك، أود مفاجأة "ماكس" بحبي له؛ لأنني لا أستطيع كتمان مشاعري تجاهه، سأخبره بأنه مهجة روحي وقلبي البهي. توجهت إليه فورًا وأفضت له بمشاعري المرهفة، لكنه كان ينظر إلي بنظرة عطف ومتأسفة.. لقد أرادني له أختًا دومًا!
أكتب كل شيء عليكِ يا مُذكرتي، فلم أجد من يواسي حزني ويعطف على حالي، ربما يأتي يوم يجدها أحد ما ويقرأ ما فيها، ويرى ما في جعبتي مما نُسج فيكِ يا فراشتي المنيرة.
استيقظت ووجدت نفسي ملقاة في غرفة صغيرة مظلمة، لا أعلم ما الذي حصل ولماذا أنا هنا، لكنني حقًا لا أتذكر ما حدث لي بالأمس! وجدت معي حقيبتي وبها مذكرتي، أخذ الأمر مني عدة ثوانٍ لأستوعب أين أنا.. لقد كنت في المنزل! وإذا بها ثوانٍ حتى فُتح الباب وجاء والدي وبيده حبل طويل وسميك، لقد نلت عقوبة قاسية منه نتيجة أفعالي، وحصلت على ما توعدني به..
لقد عذبني ووضعني بين ثنايا الظلام الدامس، وهكذا مرت الأيام دون أن أرى النور، أتألم من شدة الضرب والهلاك، وعيناي لم أعد أرى بهما جيدًا. ذرفت دموع الألم والشجن، أمسكت حقيبتي وأخرجت منها دفتري وقلمي، واستهللت بكتابة ما حصل لي. أريد أن أخرج، لا أريد شيئًا آخر سوى الحرية من كل شيء.. جسد مجروح، قلب مكسور، يدان مزرقتان من شدة البرد، والخوف يتملكني في ظلام مخيف ومكان أشبه بالفراغ..
بينما أنا في شرودي أنظر إلى الفراغ، سمعت صوتًا قادمًا باتجاهي، وجهت نظري نحو الباب وإذا بالمفتاح يلج فيه. لقد كانت عمتي وبيدها طعام، كانت عصبية ومخيفة بعض الشيء، ولطالما أحسست بعدم القبول من ناحيتها؛ لقد نشرت عني إشاعات كثيرة، فأعتقد أنها أيضًا من ساعدت على تحريض والدي علي. نظرت إليها بنظرة باردة، وضعت الطعام أمامي، فتتبعتها بناظري حتى غابت عني. ثم أتى طيف والدي وبيده زجاجة ماء، وقال لي بصوتٍ اعتاد ترديده مسامعي: "عليكِ شرب هذه وإلا لن تحمد عقبى ذلك"، ثم خرج دون كلمة أخرى. إن الزجاجة معي الآن، ولا أعرف ما الذي أفعله؟ هل أكسرها وأضربه بها وأهرب؟!
لقد مرت أيام كثيرة ولا أعرف ما الذي حصل خلالها؟ وجدت كتابي في الحقيبة بجانب السرير الذي أصبح مكاني الجديد، استهللت أقرأ ما حصل آنذاك.. والمفاجئ في الأمر أن هناك صفحة ممزقة!
توقفت عن التفكير العميق، ونظرت إلى سقف الغرفة؛ لقد كان المكان غريبًا، والناس من حولي غرباء أيضًا. فجأة أتوا ممسكين بيدي ليعطوني إبرة لا أعلم ما فحواها، وقتها صرخت: أين أنا؟ ومن الذي أتى بي إلى هنا؟ ما الذي حدث؟ كل التساؤلات تدور في ذهني.. ما الذي حصل؟ ثم تقطعت الصورة..
أفقت وأمسكت دفتري وقلمي كعادتي.. لقد قُتِلت عمتي! ولقد دخلتُ السجن! ولكِ أن تتخيلي الأحداث الفظيعة التي حصلت. أعلم أن كل شيء حدث بسرعة، لكنني علمت جيدًا أنني من شدة الآلام التي بي لم أشعر بالشيء الذي فعلته. لقد أعطاني والدي تلك الزجاجة، وكان بها مخدر هلوسة! وهذا كله علمته لاحقًا مما أخبرتني به إحدى حارسات السجن..
لم تعد هناك حياة ولا حرية حقًا، الآن بقيت بين أسوار الأقفاص العالية، في مكان مظلم ومخيف، ومن حولي شتى أنواع البشر: قاتلون، مجرمون، سارقون، ومحتالون.. كل شيء سيء هنا، وأنا أصبحت واحدة منهم. الحرية لم تكن تعني أن أترك عادات وتقاليد كنت أسير عليها، لكنني الآن بين لا حرية ولا فرار، وسيكون القصاص قريبًا.. ربما انتهت حياتي. أتمنى ممن يجد مذكرتي هذه خلف الفراش المهترئ القديم المليء بالروائح الكريهة أن يقرأها.. سأكون حينها قد غادرت إلى مكان أفضل..
الحرية هي أن تمشي في الطريق الصحيح قبل البهجة والتسلية.
15-2-1442 هـ
أغسطس - 2020 م
