ليلة سوداويّة..
عندما كنت أتألم في كل لحظة أمشي فيها في حياتي، كانت أيامي كلها مشقة وإرهاقاً، بل كأن العالم يغرقني بين ليلة وضحاها.
منذ تلك الليلة المشؤومة التي غيّرت مجرى حياتي، صرت أنا وكلبي "مارس" وحيدين في منزلي.
في ليلة قارسة ملأها البياض من شدته، خرجت أتسكع خلف منزلي، وكان "مارس" دوماً يرافقني في كل رحلة، حتى إنه يقف بجانب الباب إذا احتجت للذهاب إلى دورة المياه، وكأنه إنسان وليس حيواناً. تربينا سوياً منذ كان جرواً صغيراً، علمه والدي كيفية حمايتي حين كنت في سن صغيرة.
كنت منعزلاً عن العالم، لا أحد يزورني ولا أزور أحداً، حتى جاري الجديد الذي سكن بجواري لم أسمع عنه شيئاً، لكنني رأيته اليوم في إحدى الحدائق برفقته طفل وامرأة، وبدا عليهم أنهم عائلة في بدايات حياتهم.
قررت الخروج ليلاً للتسكع حول المنزل وبرفقتي "مارس". كان الهدوء يعم المكان وكأنني في حجر صحي أو حظر تجوال. كانت هذه المرة الأولى التي أخرج فيها في منتصف الليل. كان المكان هادئاً ومليئاً بأصوات القطط والبوم والكلاب الضالة، وفجأة، نبح "مارس" بشدة!
"ما الذي حدث معك؟"
ظل ينبح بقوة وعيناه تناظر منزل جاري، فقد كنت قريباً منه. بدأ الخوف يتسرب إلى داخلي، وحدثت نفسي: "ما الذي جعلني أخرج في هذا الوقت؟ هل سأموت؟". بدأ يراودني شعور مريب؛ فلا يوجد بشر في هذا الوقت. عاد صوت نباح الكلاب الضالة يتردد، وفجأة انطلق صوت يشبه صراخ امرأة! تجمدت في مكاني؛ حاولت تهدئة "مارس" ولكنه استمر في النباح وعيناه لا تزالان تركزان على نافذة مضيئة. قلت لنفسي: لمَ لا أذهب وأكسر حاجز خوفي؟ كان بحوزتي مصباح يدوي، أنرت به المكان؛ فمنزل جاري لم يكن مضاءً بشكل جيد. سمعت صوت الصراخ يتكرر من العمارة المجاورة، فأسرعت باتجاه الصوت. اقتربت رويداً من الباب، فاستغربت؛ فهم يسكنون هنا منذ شهر تقريباً، ربما كان صراعاً عائلياً.
فجأة، اختفى الصوت وعم الهدوء. غامرت بالدخول بحذر، فوجدت الباب والنوافذ مغلقة، لكن "مارس" قفز باتجاه نافذة أخرى كانت مفتوحة. دخلت من خلالها، كانت الغرفة مظلمة وتفوح منها رائحة الملابس؛ بدت كأنها مخزن. حاولت فتح باب الغرفة فلم أستطع. نظرت من خلال شق في الباب المكسور، وكان يؤدي إلى صالة منزل جاري. وضعت خدي على الباب لعلي أسمع الصوت مجدداً، فإذا بي أرى امرأة تجري وخلفها شخص يرتدي لباساً أسود وقناعاً، وفي يده سلاح! تجمدت في مكاني من هول ما رأيت؛ كانت تصرخ وتجري وهو يحاول الإمساك بها. فكرت في الاتصال بالشرطة، لكن يداي كانتا ترتجفان من شدة الخوف.
حاولت مجدداً الاتصال بالطوارئ. لا أعرف لماذا ترددت، ربما خفت من الشرطة! فأنا شخص منعزل اجتماعياً، لكنها كانت أول مخاطرة في حياتي. كان "مارس" بجانبي، وكل حركة قمت بها كان هو هادئاً، لكنه كان ينبح بشدة الآن، وخفت أن يكتشفوا وجودي.
اتصلت بالشرطة:
يرن الهاتف..
"أرجوكم تعالوا، منزل جاري فيه مشكلة، أرجوكم أسرعوا".
"هل أنت في خطر؟ أخبرنا مجدداً".
"أنا
في منزل جاري، ورأيت شخصاً مقنعاً يريد قتل امرأة.
أسرعوا!". وأغلقت الخط.
أخبرت "مارس" أن علينا الخروج فوراً. بدأ ينبح، حاولت إسكاته فلم يستجب. هلعت وحملته ورميته خارج النافذة، أردت الخروج بلا تفكير. وضعت رجلي على حافة النافذة، وفي تلك اللحظة انفتح الباب! تجمدت في مكاني. عاد "مارس" ينبح بقوة، يريدني أن أخرج. نظرت إلى الباب؛ كان الرجل المقنع واقفاً بيده مسدس. حاولت القفز، لكنه أطلق النار عليّ، فسقطت أرضاً بعد أن أصابتني الطلقة في بطني. صرخت: "أهرب يا مارس، لا تقف في مكانك!"، لكنه قفز من أعلى النافذة وهجم على ذلك الشخص، وعضه بشراسة. في تلك اللحظة، فقدت الوعي والدماء تغطي المكان.
بعد أشهر، صحوت في المستشفى. نظرت حولي أبحث عن "مارس" فلم أجده. صرخت منادياً، فأتت الممرضة:
"لقد استيقظ!".
"أيتها الممرضة، ما الذي حدث؟ وأين مارس؟".
"سيأتي الطبيب بعد لحظة ويخبرك بكل شيء".
أخبرني الطبيب بأنني قضيت شهراً في غيبوبة، وأن الشرطة وصلت في اللحظة الأخيرة وتم إنقاذي.
لكنه أضاف بحزن: "لقد جازف كلبك لإنقاذك، لكننا لم نستطع إنقاذه؛ فقد تلقى طلقات نارية في رأسه. تم القبض على القاتل".
شعرت حينها أنني متُّ من شدة الحزن. كيف مات؟ ولماذا؟ كان آخر ما تبقى لي من عائلة. تأكلني الحسرة والندم على تلك المخاطرة. ربما كانت العزلة أفضل من دفع هذا الثمن الغالي. اتضح أن القاتل هو جاري نفسه، أراد قتل زوجته لاكتشافه أنها خانته وأن الطفلة ليست ابنته.
وها أنا الآن منعزل في منزلي دون أحد، لا يواسيني سوى ذكريات "مارس" وأيامه الجميلة. أردت دوماً الرحيل، لكن القدر كتب لي البقاء.
#مداد_الرها
