.R
R A H A

مطرٌ يغسل الروح




ازدهرتُ فرحاً عندما سمعتُ صوت المطر ينادي بقطراته قلبي، وأهازيج منغمة برائحته في آخر الليل. يا له من صوتٍ عذبٍ يرتاح به قلبي! وقطرةٌ قادرة على سقي روحي بالأمل؛ فكيف لنومٍ أن يزور جفني؟ لن أستطيع النوم بعد هذه البهجة. صوت قطرات المطر بعذوبته يفرج همومي، وبداخلي ضيقةٌ تلاشت دون أن أشعر بها.

مدينتي الليلة على موعدٍ لتصبح مليئة بالمطر البهي، والمياه بين زواياها أشعلت فرحة لن أنساها. مدينتي، يا أيها البهاءُ بكِ، أريدكِ أن تصبحي بهذه القطرات سعيدة ومليئة بالسرور. وقفتُ بجانب نافذة منزلي أستمع لصوت المطر، وقطرة وصلت لقلبي تهمس لي بأن أكون كمدينتي البهية. السعادة هي أن أكون تحت سقفٍ يغمره المطر، وصوت الرعد يجلجل في داخلي، وبرق سمائي يشعل شعاع الأمنيات بأنها ستتحقق ذات يوم. سأكون مكتفية بمدينتي ولن أغادرها بعد الآن. شجرة مثمرة خلف منزلي تتساقط من أوراقها المخضرة قطرات المطر؛ حنين لهذا الصوت الذي أنتظره دوماً. عسى أن تدوم مدينتي بهذه الأجواء، وضوء البرق يبعث في روحي الفرح.

فكيف لروحٍ ذاقت الحزن ألا تفرح بهذه اللحظة العظيمة، من سماءٍ ملبدة بالغيوم وعصافير مغردة في فجري؟ ليت كل ليالي عمري مطر، وقهوة، ومدينة شوارعها ممتلئة بالماء، وراحة بال، وحب من نحبهم بجانبنا، ومدينة لا تعرف الحزن في قلوب سكانها، وسحابٌ كل ليلة يرشّ بقطراته دفء أيامي الجميلة التي غرقت بالسعادة. كل لحظة أفكر في هذا اليوم؛ يومٍ مشرق مليء بالطبيعة الخلابة، وظهور ثمارها المخضرة بين زوايا منزلي، وضوء سمائي الزاهي الذي أنار بين ضحى وليلة من يومٍ جديد.

اليوم فكرت بالذهاب إلى نزهة قصيرة بعد يوم ممطر في مدينتي الصغيرة، فأخذت معي أكلات من طبخي المعتاد، وحلى "الأوريو" بالشوكولاتة اللذيذة فأنا أحبه بشدة. جهزت سلة الطعام، وصنعت أيضاً قهوة فرنسية مرة. لم أنسَ هاتفي وبطارية الشحن لئلا ينطفئ الهاتف في منتصف طريقي. سأذهب بدراجتي الهوائية لأنني أحبها جداً في كل مكان أذهب إليه، ولن أنساكِ يا لحظاتي الجميلة، أنت و"ميو" قطّي وصديقي الوحيد في كل رحلة عمري. فاليوم ليس كالأيام العادية، بل هو يوم مفضل لدي؛ يوم ربيعي بشمس باردة، وأحياء المدينة شوارعها ممتلئة بالأمطار، وجميع من في الحي خارج منازلهم والبهجة تملأ وجناتهم، وفي السرور نحمد الله.

ركبتُ دراجتي وإلى النزهة أخذتُ برفقتي "ميو" وكل شيء جميل اليوم، وأرى العديد من الناس منتشرين في كل زوايا المدينة؛ كل شيء حولهم يبشر بالخير، وكأننا لأول مرة نرى مدينتنا تزهر بيوم كهذا حقاً! وصلتُ إلى وجهتي المطلوبة، أمسكتُ بالسلة ووضعتها تحت شجرة كبيرة، ومن جوانبها امتلات بالأرض بالماء الصافي من قطرات الندى. الجو رايق والسماء امتلأت بالغيوم، والنفس فيها أمانٍ كثيرة. الحياة هي الفرح، هي طفلة تركض في ثوبها الأحمر مع لمسات المطر على وجنات مدينتي الصغيرة؛ أشمّ في أنفاسها رائحة عطرك الجميل. لم أكن أبكي، لكن يا مدينتي العزيزة كوني دوماً هكذا، وأتوسل إلى الأمطار أن تمطر في كل مكان، وأتوسل إلى الثلج أن يتساقط في مدن أخرى لأنني لا أعرف كيف سأقابل الشتاء من دونكم يا عائلتي؛ فقدتكم بعد رحيلكم، وفي يوم كهذا أتذكر كل لحظة باتت متلاشية. فلماذا أمطرت شوارع مدينتي؟ لأن الكل أصبح سعيداً وفي سرور وبهجة.

مطر وغيم وأمنيات من القلب: "اللهم أمطِر قلوبنا بالفرح كما أمطرت علينا بلطفك وكرمك". فأمطرت مدينتي وأثبتت أنها ليست مجرد مكان يضج بالبشر، لكننا دوماً نحب المكان الذي ولدنا فيه، ونسعى إلى ازدهار كل زواياه البهية.


#مداد_الرها