بداية القصة
الرجل الغريب!
كان عملي يعتمد على تقديم الخدمات لزوارنا الجدد، وتقديم المأكولات والمشروبات الطازجة، فأنا من الأشخاص الذين يسعون خلف شغفهم وكسب رزقهم. اسمي "أنيساما"، أعيش وحيدة في منزلٍ صغير في إحدى المدن المجاورة.
تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد المطاعم الكبيرة قبل شهرين لقبولي كنادلة في مطعم شهير، كنت سعيدة جداً بهذا العمل. شخصيتي لطيفة كما يُقال عني، فليس لدي صحبة كثيرة؛ فسابقاً كنتُ عالمة فضاء تسافر لجلب معلومات عن كواكب أخرى، لكن لم يحالفني الحظ، فقد تركت العمل منذ زمن بعيد، أردت ذلك بحق، لكن أصدقائي اختفوا في الفضاء، ولن أستطيع خوض هذه التجربة مرة ثانية.
جهزت حقيبتي للعمل وبدلت ملابسي، وسارعت إلى تجهيز السيارة للانطلاق، فقد تأخرت لهذا اليوم. وفي طريقي للعمل، شغلت الموسيقى وبدأت أزمجر بالأهازيج المنغمة، لفت انتباهي شخص واقف في منتصف الطريق، تعجبت حينها: هل هو طفل أم شخص كبير؟ وفي ثوانٍ سمعت زمجرة عالية كالصراخ: "هيا عجلِي السير، هيا!". نظرت خلفي فلم أرَ سوى السيارات، وكانت الإشارة خضراء. قلت: "حسناً أيها الرجل، انتظر"، فقد لمحت شيئاً لكنه اختفى. أكملت طريقي متجهة للمطعم، وكان يراودني سؤال واحد: "ما هو الشيء الذي رأيته؟!".
وصلت إلى المطعم، أوقفت السيارة في المواقف المخصصة لها، ونزلت مسرعة إلى غرفة تبديل الملابس. جهزت نفسي وذهبت للمطبخ، لعلي أصل قبل المدير فهو شديد الحرص على حضوري لضيافة الجدد. دفعت الباب وكان مفتوحاً، ولم أجد غير الطاهي، فطلب مني أن أقدم لضيف في الغرفة المجاورة طعاماً كثيراً جداً. طرقت الباب ثلاث مرات ثم دخلت بالطعام وأخذت بالترحيب به. لقد كان رجلاً غريب المظهر، يرتدي قناعاً أسود وقبعة سوداء مع رداء أسود منذ ظهوره الأول. لم يكن لي بال حينها عن ذلك الغريب، فلا أعرف عنه شيئاً. وبمجرد لمحة بسيطة لرؤية وجهه، الذي ملأه البياض ولفافات الجروح، فكرت ملياً: ربما حدث له مكروه وأصيب وجهه بالحروق، فلم أعرف ملامحه بسبب الشاش الذي يغطي عينيه الزرقاوين، وكان فيهما شق ظاهر من نصفهما.
قدمت له الطعام، وكان الفضول يغضب عقلي. تشجعت وسألته: "هل لي أن أسألك أيها الضيف الجديد؟"، قال: "نعم، تفضلي"، قلت: "من أين أنت؟". عم الهدوء للحظة، ثم دخل المدير قبل إجابته وقال: "هيا يا أنيساما، اذهبي إلى المطبخ". بعدها ذهبت دون تردد فهو مديري الغاضب الذي لا يرحم.
عدت لغرفته لعلي أعرف شيئاً عنه، لكن للوهلة الأولى نظرت بشق في الباب، كان يناظر السماء من النافذة والهدوء يعم الغرفة. انتابني الفضول بشدة، كيف سأعرف قصته؟ يا إلهي كم هذا مشوق! لكن ناداني الطباخ فذهبت وعيناي تراقب الغرفة. أخبرني المدير أن ذلك الضيف سيقيم هنا الليلة، وكانت فرصتي لمعرفة من يكون، وخطر ببالي ذلك الموقف لذلك الشخص الذي كان واقفاً في منتصف الطريق؛ لعله هو من كان ذاك الشخص؟ أوه، لا أعتقد ذلك.
انتهى اليوم بعد زحام وتعب وإرهاق من العمل، أخذت حقيبتي واتجهت لمنزلي. هممت بالخروج من المطعم ومددت يدي، ياه كم هذا متعب! إلى متى هذا حالي؟ شاحت عيناي تناظر السماء والقمر الساطع، كانت النجوم تلمع ببريق منير، تذكرت أيامي في الفضاء. نظرت ملياً لأعالي السماء، وقطع شرودي ذلك الشخص الذي دفع كتفي إلى الأمام. نظرت خلفي، فإذا هو ذلك الضيف الغريب!
العودة إلى الماضي
نظرت خلفي، فإذا هو ذلك الغريب، كان على عجلة من أمره وخرج مندفعاً غير مبالٍ. بعد لحظات من وقوفي ذهبت مسرعة إلى سيارتي، لكن لم أجدها في المواقف. سألت أحد المارة لربما رأوها، لكنهم لم يروها البتة. استغربت، لعلي نسيت المواقف فهي كثيرة. فحادثت نفسي: "الليل طويل وأريد أن أتسكع مشياً على الأقدام"، لربما أتصل غداً وأبلغ عنها. كنت مرهقة بشدة حقاً، مشيت في طريق كان المكان يعم بالهدوء وكأنني في حارة الوحوش، العالم فارغ ولا يوجد أحد. هل هو حظر تجوال؟ لا أعرف حقاً، وقتها كنت أفكر كيف سأصل مشياً على الأقدام لمنزلي، فمنزلي يبعد حوالي خمسين كيلومتراً.
بعد مسافة قصيرة وجدت أجرة توصيل ووصلت إلى منزلي.
لم يجفن لي نوم تلك الليلة، بقيت أفكر بذلك الغريب، وأخذت أتصفح المواقع الإلكترونية عن عمل جديد، وسقطت عيناي على صفحة تتحدث عن الكواكب الأخرى. عاد بي زماني عندما كنت عالمة لاستكشاف الفضاء. كان صديقي "جينو" أحد أكبر رواد الفضاء الذي بقي سنوات طويلة في سفينة فضائية في مجرة بعيدة عن الأرض. استخدمت الرادار لفحص الحمض النووي الذي أطلقه جينو بعدما رحل في آخر يوم له، كان يوشك على قتل روحه، شخص يحب المغامرات والعالم العلمي للفضاء، لكن تلك اللحظة قرر الذهاب دون أحد يرافقه، فقد فقدته بعد تلك الرحلة إلى كوكب جديد. لا أعرف إذا كان لا يزال حياً أم لم يستطع العيش. كان الرادار ينبه بشيء كبير يحصل لكننا غفلنا عن هذا الأمر حينها.
وكانت هذه آخر رحلة بعدما فقدت جينو، فهو من جعلني أحب هذا العالم، وفخراً أن أفكر ملياً للعودة والسفر في سفينة الفضاء للبحث عنه. كان الوقت متأخراً بين الثالثة فجراً، فعم الهدوء، وسكبت قهوة للمرة الخامسة، قهوة مرة سوداء كسواد عزلتي دونه. مشاعري متلاشية، غربلة بين عمل ومدير متشدد، وخطر ببالي ذاك الشخص: "يا ترى من أين أتى؟! اليوم يجب أن أعرف عنه شيئاً..".
نهضت من فراشي لكي أنظر للسماء، كان الفجر حالكاً وخالياً من النجوم، كانت السحب متلبدة بالغيم عليه، فقد سمعت أن العاصفة ستضرب الليلة بأمطار غزيرة. وبعد برهة من الزمن عدت لفراشي لكي أنام، وضعت رأسي على وسادتي وإذ بصوت عالٍ هبط من النافذة، فزعت ناهضة من فراشي، غير أنه صوت الرعد فقد سقطت الأمطار. نهضت مجدداً لكي أغلقها لكن فات الأوان، فقد دخل المطر على غرفتي وتبللت. حاولت مسح الأرض وإغلاقها، لكنه للوهلة الأولى لفت انتباهي شيء في السماء، لكن بسرعة اختفى وتلاشى.
صوت قطرات المطر تسقط والأمل بقلبي يرفرف، والخيال يراودني: "كيف للإنسان العيش وحيداً في يوم مليء بالمطر، فكيف لي العيش في كوكب منعزل؟ ياه، لربما بدأ مفعول القهوة والسهر، لم أشعر بنفسي ناعسة البتة".
ذهبت إلى العمل كالعادة، بعد سهرة وأجواء جميلة، خرجت من منزلي والدنيا تعم بالمياه الراكدة، ونسمة عليلة تجلجل في خاطري يوماً جديداً من عمل أفضل. دخلت إلى المطعم. قال المدير: "يا فتاة لماذا متأهبة اليوم؟"، قلت: "ماذا تقصد أيها المدير؟ الوقت كما العادة، ماذا حدث؟"، قال: "تعرفين أن ذلك الضيف اختفى ولم يُقدم على تسديد غرفته؟". رددت قائلة: "كيف لي أن أعرف يا مدير؟ فقط أتيت الآن، والسير مزدحم بسبب الأمطار!"، قال: "أغربي عن وجهي فأنا منزعج". مدير شرير لن يتغير. بات الفضول ينتابني بشدة أكثر، فذهبت إلى الغرفة التي حجزها وبدأت أفتش بكل مكان لعلي أجد شيئاً يدلني عليه، وأقلب في كل مكان تحت السرير والأدراج، وسمعت صوت الباب انغلق، نهضت مسرعة مختبئة تحت السرير، يتحرك بالقرب من السرير، حذاء ملطخ بالتربة، وبنطال منعدم بالطين!. وضعت يداي على فمي وشعرت بأنه ستخرج ريح بسبب القهوة الكثيرة والخوف بداخلي.
غريب الأطوار
أصبحت الغرفة مظلمة، وعم الهدوء ولا أعرف هل سيعرف بوجودي يا ترى؟ فظهر ضوء ساطع من النافذة، كنت مختبئة تحت السرير الأبيض، لا أعرف ما هذا الضوء الذي كان يشع من تحت السرير ويجهر عيني. حاولت أن أقترب من حافة السرير لعلي أرى مصدر هذا الضوء الأزرق، فكاد الأمر ينكشف لكنه اختفى، وعاد النور للغرفة ولم أسمع له وجود، فهربت مسرعة إلى الخروج منها. كان الباب مغلقاً وحاولت فكه، حاولت وفككت ولم أستطع رغم أنني أخرجت بطاقتي، انطفأت الكهرباء مرة أخرى، نظرت خلفي فإذا هو ذلك الغريب وخلفه ضوء أزرق لم ألحظ ماهيته. شعرت بصدمة ومفاجأة كبيرة، وتحدث: "هيا معي"، قلت: "من أنت؟"، قال: "ستعرفين حينما تذهبين".
كان كالحلم، وقفت بنصف الضوء الأزرق واختفيت من بعدها، يرتفع بنا إلى الأعلى، فنظرت تحت الأرض بدأت تنخفض وأنا أطير في أعلاها. هل الماضي يعود بي؟ ما الذي يحصل معي؟ كانت الأسئلة تراود أفكاري. فقد حدث منذ عهد بعيد، عندما ذهبنا في سفينة الفضاء برفقة الأصدقاء، فهو من اخترعها جينو، ثم نظرت إليه تغيرت لون عيناه إلى الأزرق، وبدأت اللفافة من على وجهه تختفي متلاشية، عيون واسعة وجسد متصلب ومتكامل، هذه المرة الأولى التي أراه فيها، عشت سنوات عن العجائب لكن هذا الكائن مدهش.
ردفت بهمس وصوت خافت: "إلى أين سوف نذهب؟"، وبصوت غجري خشن قال: "سوف نصل وتعرفين". كلمح البصر وصلنا، إعصار متهيج إلى مكان آخر، نعم أنه المكان الذي ضاع فيه جينو، كوكب "أورانوس" الذي أسماه برمز الرادار والاستكشافات، نقطة العودة لم أفكر بها بعد كل هذه السنوات. فبعد استكشافي الذي أتى بنتائجه عنه، أنه كان كوكب أورانوس مادة للتندر، ويعد الكوكب المكروه من بين الكواكب في نظامنا الشمسي. ويبدو أنه دائماً ما يُهمل عند التفكير في القيام بمهمات استكشافية إلى الفضاء كثيراً، لكن رحلتي كانت نقطة انطلاق الكشف عن كوكب وحياة جديدة، لم أكن قد أمعنت التفكير بشدة أن ذات يوم يعود بي إليه.
وقفت على حافة الكوكب وأشعر بالدوران، وللحظة توقف التنفس عندي، فأمسك يدي وجاءت عيناي ملتقطة عيناه الزرقاوين، ولكن أنا أرى جينو أمامي، هل متُ؟ كيف لي أن أراه؟ مجرد لحظة وأدخلني إلى السفينة مسرعاً، كنت أرتدي زي الفضاء لا أعرف كيف حصل ذلك، فأخبرني أنه بعد حادثة السفينة منذ العهد كنت أعيش طوال هذه السنوات برفقة الفضائيين. نعم أنه جينو، عاش سنواته وأكل السم الذي كان بهذا الكوكب لكنه تحول إلى فضائي، لذلك كان يستطيع التحدث كالبشر، ويضيف أنه لا نستطيع الإبحار فيه أو نقف على شيء صلب فقد بعض السموم والغازات التي تكون صلابة من سطح صغير.
"لكن كيف لم تتواصل معنا؟"، وبدأ يقهقه أمامي: "أنتِ عالمة الاستكشافات، ألا تعرفين أن هذا الكوكب يبحث عن العاطفة؟"، "كيف لهذا المكان أن تبقى فيه؟"، تحولت بعد عدة تجارب علمية، والشمس لا تأتي بسهولة إلينا. "ما الذي كنت تريده من الأرض؟"، "أريد البحث عن العاطفة"، "كيف لك أن تعيش من دوني؟"، "تركت هذا العالم وكل شيء"، "أخبرتك أنني سوف أسيطر على هذا الكوكب ذات يوم"، كنت أراه بجانبي لكنه غريب، لكن كيف له فعل هذا بي. ما الذي سوف يحصل بعد كل هذا؟ سأبقى برفقتك، وكيف لنا العودة بعد الآن؟ فالحياة على هذا الكوكب ليست جيدة، فالغازات السامة منتشرة بكل مكان. "سوف تعرفين بعد هذا كله"، حسناً، أنا أستمع إليك..
كشف السر
"أنا القريدس الفضائي الذي استولى على هذا الكوكب، فوجودكِ هو أهم مصدر لكي تزودنا بالعاطفة"، "ماذا تقصد بالعاطفة؟"، "هو أكسجين الذي أعيش عليه، فليس هنا طريقة غير أن يكون بيننا شخص بشري كامل مثلكِ"، "سوف أطلب روحك والبقاء معنا". بعدها أتوا باقي الفضائيين واقفين أمامي، وأيديهم غريبة للوهلة الأولى، لكنني أعرف من هم هؤلاء الأموات الذين عاشوا مدة طويلة في الفضاء والأبحاث العلمية، فقد انجلى منهم الروح الإنسانية والاجتماعية، فهذا كوكب قليل من يصعد للوصول إليه، فصحيح هو أن الكوكب يبعد عن الشمس بنحو ثلاثة مليارات كيلومتراً، حتى الشمس تبعد حوالي العشرين متراً عن الكوكب. كنت أعتقد أن أبحاثي باتت بالفشل، لكن جينو حقق هذا البحث.
كنت معتقدة أن الأعضاء الذين وجدوا هذا البحث العلمي الذي استغرق مدة طويلة، لم يكن أحد يستطيع حينها أن يتجرأ بالذهاب إليها أو تجربتها، لكن الآن أنا سعيدة أنه أحد اهتم لمشروع كان على حافة الغبار. كان كالحلم الذي أعيشه بين ليلة وضحاها، فكرت كيف سأخرج من دوامة المكان، عيناي تدمع خوفاً ويداي ترتجف من شدة السموم في الكوكب، مغطى رأسي بغطاء الأكسجين الأبيض، وقفازات سوداء، حتى لا يتلمس جلدي ذلك السم، أخبرت جينو كيف له أن يبقى بهذا الحال، ولكنه لم يعجبه كلامي. رفضت طلبه وأردت العودة إلى الأرض فلن أستطيع فعلها، صرخ أمامي وكان كالصدى ينتشر في إرجاء السفينة، فقد أصبحت رثة من عهد طويل، ملؤها الغبار والصديد الشديد الذي غطاها من شدة الزمن، تحولت إلى شيء رث مليء بالأشياء القديمة، لكن داخلها يبقى شيء ثمين. لو خرجت من السفينة فلن يكون هناك جاذبية تصمد بجسدي، والغاز السام منتشر بشتى الكوكب. أوباري الذي وقف أمامي لم أتمكن من معرفته، جلد أخضر وعيناي واسعتان، ويد طويلة الأصابع، ورأس شبه مثلث، ولون عيناه زرقاوان، ورجلان نحيفتا المظهر والطول السميك، ومع ذلك يرتدي رداءً أسود. شككت بخلل الذي يحصل بينهم، وقفت أفكر بالماضي الذي اندلع منه شيء غريب، تركوني بالسفينة وأغلقوها وجلست وحيدة فيها، أبحر فيها وأبحث عما يفيدني بالهروب، فهذه المرة الأولى التي سوف أفكر كيف أشعل حريقاً بالهواء الطلق، فالمشاكل كثيرة وحلولها بسيطة، فكرت وفكرت كيف أشغل السفينة الفضائية قبل مجيئهم، فهي بداخلها قارب شبه سفينة بحر لكنها مغطاة في أسفل القبو في داخلها وهذا الشيء أنا أعرفه، وجينو يغفل عن هذا الأمر، فهذه فرصتي للهروب منهم، يريدني أن أصبح فضائية ذا شكل أخضر وذا عيون زرقاء مخيفة..
هرعت مسرعة باتجاه الباب المغلق الذي يكون خلفه قبو، لكن عندما وصلت كان مغلقاً بسلاسل، لا أتذكر حينها إذ كنت وضعتها أم لا. حاولت مراراً أن أكسرها قبل أن يأتوا، نظرت خلفي وعيناي على باب السفينة، وجدت مفتاحاً مرمياً على أعلى أرفف السفينة، شعرت بهبوط يدور خلفي ولم أستطع التحكم بجسدي وكأن الأكسجين بدأ يذهب مني، عدت إلى الباب مرة أخرى أحاول فتحه، ولكن محاولاتي باتت بالفشل، الجاذبية انعدمت للحظة من جسدي، شعرت وكأن الباب انفتح، نظرت يميناً بجانب الباب للخروج، فحصلت على مطرقة صغيرة وحادة الرأس، ضحكت لثواني، الآن سوف أفتح الباب وأهرب منهم، حاولت كسره لكن أشعر وكأن يدي يجذبها شيء إلى الخلف، نظرت خلفي فإذا هو وحش أخضر وكأنه لزج، لا أعرف ما هذا! صرخت وحاولت كسر الباب أسرع ما يمكن، وأخيراً فتحت الباب، لكنه أمسك قدمي وسحبني إلى الخلف..
النهاية: السرداب المعتم والرحلة
السرداب المعتم"
رأيته يسحبني إلى الخلف وحاولت التشبث بالباب بشدة لكنني حاولت الفرار منه، ودخلت الباب وأغلقته أسرع ما يمكن، وبعد لحظة خرج من تحت الباب سائل لزج لونه أخضر، فقد انفجر بسبب عدم وجود سموم بداخل السفينة، وعدت ألقي نظرة وفتحت الباب فإذا المكان أصبح مليئاً بالشيء اللزج الأخضر، وبعدها دخلت الغرفة، وجدت سرداباً طويلاً ومظلماً، مشيت بهدوء رويداً رويداً فالمكان متغير عليه منذ زمن طويل، فحاولت إخراج الهاتف الذي معي، فهو فيه مصباح مضيء يمكنني البحث ورؤية المكان، أضأت المصباح ومتجهة إلى الأمام دون مبالاة لعلي أجد القبو الذي صنعته بيدي، وبعد لحظات من التقدم وجدت علامة "ضرب" على الأرض باللون الأحمر، عرفت أن هذا هو المكان المطلوب الذي سوف أجد فيه السفينة الفضائية. فتحتها إلى الأعلى ووجدت سلماً للنزول، وضعت أول قدمي على حافة السلم والأخرى تليها، أضواؤها معتمة والمكان مهجور فطبعاً لن يكون فيه شيء نظيف، أمسكت قطعة قماش بحوزتي ووضعتها على نصف وجهي لكي لا يدخل الغبار في فمي. عندما اقتربت من النزول إلى تحت كانت العناكب أعشاشها في كل مكان، وضعت رجلي على الأرض ونزلت إلى القبو، نظرت تجاه الضوء بالمكان كله، السرير الرث كما كان موجود والطاولة التي كنت أكتب أبحاثي فيها، كانت هذه السفينة الفضائية في بداية تجهيزاتها كانت على الأرض في منزلي، وكنت مخططة لكل شيء لهذا الزمن، وأتت اللحظة المناسبة التي أحتاجها فيها. عاد بي الزمن إلى الوراء، وتذكرت جينو والأصدقاء الذين كانوا يساعدونني في تطوير هذه السفينة، كانت من أجمل الأبحاث العلمية عن كوكب أورانوس، الكتب والأوراق طوتها الأزمان على أرفف المكتب، والبحوث العلمية التي بالنسبة لي عالمية، ضحكة تملأ وجنتيه وهو يقول بسخرية: "لن تصلي إلى هدفك من دوننا"، وكان في محل سخريته حقاً، لم أمعن ذلك العالم عنه شيئاً.
أخفيت هذا المكان غير بارو الذي يعرف عنه فهو من صنع المكان وخطط له، شخص طموح وذو هيبة قوية وشخص ذكي للغاية، دوماً يخبرني أن أتمكن من إنجاز هذا البحث. جرب تجارب كثيرة على الغاز السام، الذي قد يصبح كل من يصل إلى عمقها يموت، حاولت مراراً وتكراراً على التغلب والتغيرات التي حصلت حينها، كاد ينجز الغاز المضاد لهذه السموم التي تحوط بهذا الكوكب المضر، فكان يستطيع أن يعيش مدى الأشهر وحيداً بهذا القبو، الذي اسميه "سرداب الحياة الثانية"، فلن يكون هناك أمل دون العيش على كوكب ليس به شمس تعيد الحياة لنا، فكان من الصعب العيش فيه لمدة طويلة، يكاد يمر الأكسجين الذي أستطيع أن أتنفس منه، فقد كنا نحمل أسطوانة الغاز الصحي على ظهرنا الذي صنعتها منذ زمن لكي نقدر على التفاعل والمشي دون الشعور بالسموم، لذلك صنع مادة لزجة كانت من اختراع بارو، لكن رأيتها الآن تحولت إلى وحوش خضراء في الأعلى. اعتقد أنني سأموت هنا دون الخروج، لكن سوف أرى السفينة التي غطاها الزمان بالصديد لعلها تشتغل، وحاولت تشغيلها، فكانت مغطاة بالرطوبة اللزجة فالمكان شبه معدوم الوجود. حاولت بعدها الخروج فلن ينفع البقاء، عدت أدراجي إلى الخارج، وفتحت الباب الذي كان أملي فيه، فلم أجد منفعة من شيء قديم.
انفتح الباب قبل وصولي إليه لفتحه، واقف بشكله الغريب وسحبني إلى نصف السفينة، وعلى أرفف الأرضية اللزجة الخضراء، وكانت ملابسي تغطيها المادة. صرخت: "ماذا تريد مني؟ بعد فعلتك هذه يا جينو، فقد حولت المضاد الحيوي الذي يمكننا السيطرة على الكوكب فيه إلى وحوش"، قال: "وهل تريدين مني بعد كل هذا أن أسمح لكِ بالرحيل؟"، قلت: "نعم، يا ناكر المعروف سوف تندم على هذا"..
نهاية الرحلة"
ملابس مليئة بالمادة اللزجة والشعر أصبح ملطخاً بالشيء الذي انفجر قبل قليل، وأردفت بسؤالي إليه: "ما الذي تريده بعد ما تم تحويل المادة إلى هؤلاء الوحوش؟"، قال: "هذه المادة سوف أسقطها على هذا الكوكب حتى أجلب الشمس إلينا، فالمكان بدون الشمس سوف يغرق بدون تنفس حراري"، قلت: "كيف سيتم تنفيذ هذا يا جينو؟!"، قال: "سترين ذلك"، وتوقف عن الإجابة وقال فقط: "هيا سوف تذهبين معي لرؤية باقي المصنع الذي جهزته لكيفية التجربة عليكِ". يا للأسف عليك يا جينو، بعد كل العشرة أصبحت مغروراً وفقط تريد كل تعب هذه السنوات لنفسك. ذهبنا خارج السفينة الفضائية، وغطيت بنفسي أكسجين صناعي، وكما جاء في أبحاثي عن هذا الكوكب، أنه يمتاز أورانوس بالعواصف القوية التي تحدث في غلافه الجوي، والسحب الكثيفة، مما تؤدي إلى هطول الأمطار بغزارة، فقد رأيته حزيناً هذا الكوكب عندما سقطت عليه الأمطار بشدة، وشدت الأزمة عليه بالبرودة.
لكن جينو استغل وضعه ونشر مادة السموم عليه مما أدى إلى انتشار ذرة الهيدروكربونية اللزجة التي خرجت من حمض صنعته لجعل الكوكب يستقر من جميع الفصول المظلمة. كان يحمل بين يديه حقيبة بها المادة العاكسة لهذه المادة الخضراء، بعد خروجنا رأيت الانتشار المخيف من هذه المخلوقات المقززة في أرجاء الكوكب، فكرت بيني وبين نفسي: "كيف يمكنني أخذ هذه الحقيبة دون أن يعرف؟".
نظرت حولي بتمعن، فإذا الجو بدأ يصبح مظلماً ودوران الكوكب بدأ يتغير إلى فصل الليل الذي سيكون ظلاماً دامساً، ضحك قلبي فرحاً أن هذه فرصتي لأخذها، لحظة واحدة وتغير الكوكب. فقال جينو: "هيا نعود إلى السفينة، فسوف ينقطع الغلاف عن سحب الأكسجين إلينا وإن الذي معنا سوف ينفجر هؤلاء الوحوش الخضراء". هرعت مسرعة إلى السفينة عائدين، لكن حاولت أن أصدم جينو لكي يسقط وآخذ منه الحقيبة، لن يعرف أنه أنا، فضربت كتفي بظهره وسقطت الحقيبة على الغلاف الخارجي من الكوكب وللحظة كانت سوف تسقط بهفوات إلى خارج غلاف الكوكب، أمسكتها وذهبت إلى السفينة، وفتحت الحقيبة وأخذتها، ورميت الحقيبة بكل سرعتي، وجاء يسأل: "أين الحقيبة التي رأيتها معكِ؟"، قلت: "نعم أنها هذه خذها"، ولحسن الحظ حصلت عليه.
وضع الحقيبة على أرفف السفينة وقال يجب أن نعود إلى الأرض، تعجبت بشدة، وهممت بقولي: "هل تريد العودة بهذا الشكل المخيف؟"، ضحك بسخرية تامة: "تعرفين أنني متنكر بلباس الفضائيين؟". كيف لك أن تفعل كل هذا فقط يا جينو؟ كيف لك أن تقتل الناس وتجعلهم بهذا المنظر؟ لكنه قال: "كلنا متنكرون وحتى بارو معنا منذ زمن، ونحن نمر على هذا الكوكب ونعود إلى الأرض كلما تغير فصل هذا الكوكب وأصبح مظلماً".
كنت سعيدة حينها أن جينو لن يكون شريراً وكل ما حدث كان مجرد تجارب للبحث الذي عملته، وتحول بعض الذرات التي كانت خضراء مكورة على شكل كائن ليس له هيئة، وهذه بسبب السموم القاتلة تتكون في الغلاف الجوي الداخلي وتنفجر بثوانٍ، فهي كتلة سموم قاتلة لكوكب أورانوس.
ولكن في الأخير اكتشفت أنه سبب حضوري إلى الكوكب كانت مجرد مفاجأة من أصدقائي القدامى، الذين كان كل شخص من مدينة أخرى وكل منهم سافر ووجد حياته، لكن بارو وجينو هم الوحيدان اللذان حاولوا أن يكملوا إنجاز البحث الذي تعبت عليه لمدة طويلة، فكان بحثاً ناجحاً وعرفنا أشياء عنه، وفي الأخير عدت إلى منزلي ومطعمي وعاد يومي بسعادة، فقد تزوجت جينو وأصبح لدينا عائلة لمكتشف الفضاء الخارجي، والقريدس الفضائي هو الذي بقي في عالم من الممكن أن يموت دون الحياة العاطفية، فهو قريدس يبحث عن حياة في كوكب معدوم لجلب له السعادة، فقد فجرنا الحمض النووي الذي كان من المفترض أن يساعد الغلاف الجوي للكوكب لكن يبقى هذا الكوكب السابع عن باقي الكواكب مميزاً.. وكل شخص يسعى لإنجازات تجارب علمية، عليه أن يصبر ويبحث بشكل أفضل من كل شيء ويجتهد في الدراسة، العلم والمعرفة والثقافة لمجال الفضاء كما فعل القريدس الفضائي...
…🪐


رواية جميلة للامانة عشت أجواء القصة والفضاء 🥹
ردحذفرواية جميلة وعميقة جدًا ابدع قلمك
ردحذف