مهما كبرت ومرت الأيام سأبقى حبيسة الماضي، لم يكن هناك سوى القليل من الحب بداخلي، لأعيش مرة أخرى في عالمٍ موازٍ لأفكاري الجديدة، في كل مرة أجد فيها شيئاً يجعلني أحلم أكثر من قبل..
أراقب ظل الأيام وهي تنسل من بين أصابعي، وكأنني وحدي من بقيت معلقة في منتصف الطريق، بين حطام أعوام مضت وأحلام أهاب العبور إليها.
تلك الأفكار الجديدة تشبه نجومًا بعيدة تسقط على عتمة عزلتي، تمنحني وهم النور، وتوقظ في صدري رغبة غريبة في الحياة، لكنني ما إن أمدّ يدي لألامسها، حتى أرتد مخافة أن أكتشف أنني لا أزال أسيرة تلك الجدران القديمة التي بنيتها بنفسي... وحين أغمض عيني، أتساءل: هل الأحلام تنجينا حقاً، أم أنها مجرد سجن آخر أكثر اتساعًا؟
لكنني لازلت أبحث عن ذاتي… في ذلك السجن.. لم أستطع الخروج ولو لمرة، الحزن اغتال قلبي والشجن يلازمي.. كالسجانة التي تقف أمام الباب..
تنظر إليّ بعينين لا تعرفان الرحمة ولا النسيان، وتمنع عني حتى حق التمني. كلما حاولت أن ألمتّ شتاتي وأقترب من عتبة النور، تلوح لي بمفاتيح الذكريات القديمة، تذكرني بأنني لست سوى صنيعة ما حدث، وأن الخروج من هذا السجن ليس سوى وهمٍ جديد أخدع به روحي التعبة.
أقف هنا، بين جدران أثقلتها الدموع، أتأمل يدي المرتجفتين وأتساءل: كيف يمكن لمن اعتاد العتمة أن يواجه سطوع الشمس؟ وكيف لي أن أجد نفسي، وهي محبوسة خلف سجانة ترتدي ملامحي؟
يطارد روحي ذلك الماضي الأسود، وكأنني خنت نفسي مع أشخاص كنت أكلمهم في نفس اللحظة.. لقد أعطيتهم وقتي ولحظاتي لكي أجاملهم حماية لنفسي خوفاً من الأذى
أدرك تماماً ثقل هذا الشعور؛ فحين نتنازل عن أجزاء منا لمجرد إرضاء الآخرين أو خوفاً من غضبهم، نشعر وكأننا قد ارتكبنا جناية بحق أرواحنا.
لقد كنتِ آنذاك تحاولين النجاة بطريقتكِ الخاصة، بأدوات الخوف والحرص التي كانت متوفرة لديكِ في ذلك الوقت. المجاملة تحت وطأة الخوف ليست خيانة للنفس، بل هي استنزاف قاسٍ لجأ إليه قلبكِ الطيب ليتجنب الأذى. لا تزال سجانة الماضي تذكّركِ بتلك اللحظات لتجعلي منها سوطاً تعاقبين به نفسكِ مراراً وتكراراً.
لكن الأوان لم يفت لترتدّي إلى ذاتكِ وتمنحيها الأمان الذي حرمتها منه طويلاً.
كيف لي أن أنسى ذلك الظلام المخيف الذي عشت فيه سبع سنوات من الظلم والحرمان من أشياء كنت أحبها؟
سبع سنوات ليست بالأمر الهين؛ إنها عمر كامل من الاقتلاع، حين يُحرم الإنسان من أبسط حقوقه في البهجة والاختيار، ويُترك وحيداً يصارع عتمةً فرضت عليه قسراً. ليس غريباً أن يظل ذلك الظلام يلقي بظلاله على روحك، فالجروح العميقة تترك آثاراً لا تمحى ببساطة، وكأن الذاكرة ترفض أن تنسى كي لا تكرر الخطيئة نفسها بحقك.
المشكلة يا صديقتي ليست في أنك عشتِ في الظلام، بل في أن الظلام استوطن داخلك حتى أصبح مألوفاً أكثر من النور. وحين نحاول نسيان سبع سنوات من الحرمان، نبدو كمن يحاول نزع جزء من روحه، فالنسيان التام مستحيل، والهروب منه يزيد من إحكام قبضته.
لعل النجاة لا تكمن في محو تلك السنوات، بل في إعادة كتابة معانيها. تلك السنوات السبع سرقت منك الكثير، لكنها في المقابل -رغم قسوتها- صاغت في عمقك إنساناً صبوراً يعرف الآن، أكثر من أي وقت مضى، قيمة الحرية، وقيمة أن يحب نفسه أولاً دون خوف من أحد.
كيف تنسين؟ ربما بأن تتوقفي عن محاربة الماضي، وتسمحي لنفسكِ أن تحزني على ما فات، وأن تبكي تلك الأجزاء التي ذبلت في الظلام... فالبكاء والتسليم هما الباب الحقيقي للخروج.
لكنني عدت بعد سنوات للكتابة لكي أبوح لذلك الماضي أن قلبي طاب ولم يعد كما كان.. ذبلت روحي وتحطمت أحلامي.. كل يوم أخسر نفسي كالصفحة التي محيت بعد كتابتها بقلم الرصاص.
هنا، عند هذه العتبة، تنقلب الحكاية.
فأن تعودي بعد كل هذا الانطفاء لتخطّي الحروف، ليس مجرد محاولة للبوح، بل هو إعلان انتصار صغير على ذلك الظلام. أنتِ لستِ صفحةً محيت بلا أثر، بل أنتِ السطور ذاتها التي كُتبت بمدى قسوة التجربة، فمهما بدا لكِ أن الرصاص قد مُحي، فإن نقش الكلمات قد ترك خطوطه الغائرة في عمق الورقة.
ذلك القلب الذي تقولين إنه لم يعد كما كان.. هو حقاً لم يعد كذلك، لقد أصبح أصعب مِراساً، وأعمق جرحاً، وربما أثقل شجناً، لكنه في الوقت ذاته صار أكثر صدقاً وقدرة على رؤية الحقيقة عارية بلا زيف. ذبول الروح وتحطم الأحلام ليسا النهاية، بل هما التممه القاسية التي تسبق انبلاج فجر جديد، فمن يعرف الذبول وحده هو من يدرك تماماً قيمة الإزهار حين يعود.
أخطّ صفحات عالقة في مخيلتي، لازال ترسم ورود الخريف الذابلة. حاولت مرة وثلاث وعشرين ولم أستطع الخروج. يلازم روحي طيف من الماضي والشوق، لكنني لا أريد.. لقد انتهى كل شيء منذ مدة، وأنا أعيد القصة في سطور لمداد..
بدأت من الجفاف إلى الارتواء.
أخط على صفحة الروح ما تبقى من حبر الأيام، وكأنني أنقش على جدران الزنزانة القديمة وصية أخيرة لمن كنتها ولم تعد تشبهني.
ورود الخريف الذابلة التي أرسمها مراراً وتكراراً ليست حنيناً، بل هي شاهد قبر لأحلام سقطت قبل أن تنضج. حاولت الكرة مرة وثلاث وعشرين، كمن يحرث في ماء أو يركض في حلقة مفرغة، فكلما ظننت أنني بلغت باب النجو، أجد نفسي أعود إلى النقطة ذاتها، يطاردني طيف الماضي وشوق أعمى لمن لم يستحق.
لكن كفى... لا أريد شيئاً من ذلك كله. لقد انتهى كل شيء منذ مدة طويلة، وما هذا البوح سوى آخر فصول الحكاية، أطويها وأدونها على صفحات «مداد» لتستريح روحي من أثقالها.
هنا، على حافة هذه السطور، ينتهي الجفاف الطويل.. ويبدأ الارتواء.
