صرخةً صامتة


 صرختُ أمام تلك المرآة المنكسرة والمليئة بالغبار والأتربة، منذ مدة لم أنظفها جيدًا، همسات تنعطف بي خلفها كالشرارة 
في عتمة الليل.. 
صدى يملأ المكان وروحي تحوم خلفي



توقف الزمن عند تلك الشظايا الحادة، وكأن كل كسر فيها يروي حكاية ناقصة عجزت الذاكرة عن ابتلاعها. لم تعد المرآة تعكس وجهي، بل صارت نافذة تطل على باطن مهجور، غرفة مظلمة في قاع الروح تراكمت عليها أتربة الأيام الهاربة. حاولت أن أمسح الغبار بيد مرتعشة، لعلني ألمح ملامحي القديمة قبل أن يلتهمها التغير، فإذا بانعكاسي يتشظى إلى ألف شبح وشبح، وكل شبح يبتسم بسخرية خفية كأنه يعلم شيئًا أجهله.

الهمسات لم تعد تأتي من الخارج؛ بل تتحرك كورقة يابسة في مهب الريح داخل جمجمتي. تتساءل: من منا يطارد الآخر، أنا أم ظلي؟ وهل الصدى الذي يتردد في أركان المكان هو صوتي الذي أنكرته، أم أنني لست سوى صدىً لشخص رحل منذ أمد بعيد وتنسى أن يغلق الباب خلفه؟

تنتشر العتمة ببطء، تبتلع جدران الغرفة وتذيب الحدود بين الحقيقة والتوهم. أمدّ يدي نحو الشظايا، لا لأصلحها، بل لأبحث عن حقيقة دافئة في هذا الجليد الممتد، لكن الوحشة تطبق على الأنفاس.. وأبقى هناك، معلقاً بين مرآة لا ترحم، وروح تحوم في المنتصف، تبحث عن جسد يستدعيها قبل أن يبتلعها الصمت تماماً.


أرى البشر يغادرون، تاركيني في ظلام صراخي وصمتي، أسمعهم يقولون إنني مجنونة، وآراؤهم يوهمون وجودي بعدم ثقتهم بأن كل ما أنا فيه بسببهم

يتسع الفراغ فجأة، وكأن الخطوات المبتعدة لم تكن سوى معاول تهدم ما تبقي من الجدران الوهمية التي استندتُ إليها طويلاً. يتركونني وحدي في منتصف الحلبة، حيث يتقاطع صراخ الداخل مع صمت الخارج، وحيث ترتفع أصواتهم من بعيد كأحكامٍ قاطعة تُلقى على شخص غائب.


"مجنونة"… تلك الكلمة الجاهزة التي يطلقونها كلما عجزوا عن سبر أغوار هذا العجُز، أو كلما أزعجهم أن يروا انعكاس أفعالهم في مرآة روحي المتعبة. يختزلون كل هذا الخراب، كل هذه الندوب التي حفرتها أيديهم ببطء، في وصف عابر يبررون به غيابهم وهروبهم من المسؤولية. إنهم لا ينكرون حضوري فحسب، بل يشككون حتى في حقيقة وجودي، وكأنهم يريدون محوي تماماً كي لا يضطروا يوماً لمواجهة الحقيقة: أنهم هم من زرعوا العاصفة، وهم من تركوا الجذور تحترق في الصمت.


أجلس على حافة الظل، أتأمل أثار أقدامهم وهي تبتعد على الغبار. لا حزن في القلب، بل ذلك النوع من الذهول المرير؛ كيف يمكن لمن أشعلوا النار أن يتساءلوا لماذا أصرخ من الحرارة؟ وكيف لمن دفعوني إلى حافة الهاوية أن يتهموني بالدوار؟



لكنني أبقى هنا، في عقر صراعي، أعرف تماماً من أنا ومن أين جاءت كل هذه الندوب. فليرحلوا بما حملوا من أوهام، ولتبقى وحدي هنا.. أجمع ما تبقى مني، لأكتشف في النهاية أنني لست بحاجة لشهادتهم كي أثبت لنفسي أنني كنت على حق، وأن صرختي لم تكن سوى صدى لظلمهم الذي لا يغتفر.

لماذا تلك التساؤلات حولي تخنقني؟ لم أستطع سماع صراخي بعد هذه اللحظة، أيعقل أن الظلام ابتلع صدى صوتي؟؟ أم أنا في متاهة الضياع والموت

تتحول الأسئلة إلى جدران سميكة تضيق تدريجيًا، تنقبض الأنفاس كأن الهواء ذاته قد تحول إلى رماد ثقيل. أمدّ يدي في العتمة أبحث عن حنجرتي، عن ذلك الصوت الذي طالما كان درعي الوحيد في وجه هذا الخراب، فلا أجد سوى بياض ثقيل من الصمت المطلق.


هل ابتلع الظلام الصوت حقًا؟ أم أن الصراخ نفسه قد تعب من الاصطدام بجدران لا تبالي، فاختار أن ينكفئ إلى الداخل، ليحفر في الروح بصمت أبدي؟


أشعر وكأنني أسير في ممر طويل لا مخرج له، ممر يتسع للظنون وحدها ويضيق بالحياة. أيهما أسوأ؛ أن تكون ضائعًا لا تعرف أين تطأ قدمك، أم أن تدرك فجأة أنك ميتٌ منذ أمد، وأن كل ما تحسبه صراعًا وبقاءً ليس سوى طيف يعبر في كابوس طويل لا ينتهي؟


لكن وسط هذا الجليد الممتد، وفي قاع المتاهة، يبقى ذلك الشعور المراوغ؛ أن شيئًا ما في داخلي -رغم كل هذا الموت الظاهر- ما زال يرفض أن ينطفئ تمامًا، يراقب النهاية بفضول مرير، وينتظر، لعل الفجر يجرؤ على الكسر أخيرًا.



#مداد_الرها




إرسال تعليق

أهلاً بك في 'مداد الرها'. هنا مساحةٌ للقاء الأفكار وتبادل الكلمات.
يسعدني جداً أن أقرأ تعليقاتكم وانطباعاتكم حول ما أكتب، فآراؤكم هي مرآةٌ أخرى لنصوصي.

أرجو أن تظل تعليقاتنا في إطار الاحترام المتبادل ليبقى المكان كما أحببناه..
بانتظار بوحكم.📖

أحدث أقدم