في أحد أيام الشتاء الباردة، استيقظتُ حينما حلت شمس الصباح تداعب وجهي، لكن برودتها كانت تعتريني وتخترق عظامي. نهضتُ من فراشي بتثاقل، كأن شيئاً في أعماقي كان يخبرني أن هذا اليوم لن يكون مجرد يومٍ عادي في حياة موظفٍ روتيني. اتجهتُ إلى مطبخي المتواضع، ذاك المكان الذي يشهد كل صباحٍ على وحدتي، لأعدّ كوباً من القهوة المرة، رائحة البن المحروق كانت توقظ حواسي ببطء.
أنا "ماكس"، رجلٌ بسيط، موظف في إحدى شركات الأخبار المحلية. قد يظن البعض أن عملي ممل، لكنني في الحقيقة أمتلك شغفاً دفيناً للبحث خلف الأسطر، والتنقيب عن القصص التي يغفل عنها الناس. أحب الاطلاع، وأطارد الأفكار التي قد تغير مجرى حياتي، وربما كان هذا الشغف هو ما جعلني أبحث دائماً عن شيء "أكبر" من مكتبي المهترئ هذا.
جلستُ على أريكتي ممسكاً جريدتي اليومية. قلّبتُ الصفحات بملل، الأخبار السياسية والاقتصادية تبدو متشابهة، رتيبة، وتفتقر إلى الروح. كدتُ أرمي الجريدة جانباً، لولا أن التقت عيناي بعنوان في زاوية منسية: "الجزيرة الغامضة". بدأتُ أقرأ الأسطورة القديمة التي تسرد بين سطورها غموضاً لا يفسر. قيل إنها جزيرة تظهر فجأة وسط المحيط، يحيط بها ضباب لا يخترقه نور، ويختفي فيها كل من حاول الوصول إليها. شعرتُ حينها بوميضٍ من الحماس؛ كانت هذه فكرةً لموضوعٍ مثيرٍ لمجلتنا، فكرة قد تجعلني أترك هذا المكتب الصغير المهترئ، وأرتقي إلى منصب أرقى، أبحث فيه عن الحقائق بدلاً من نقل الأخبار الجاهزة. أخذتُ قلماً وبدأت أدون ملاحظات، كان قلبي ينبض بإيقاعٍ متسارع، وكأنني بدأت للتو في فتح بابٍ كان مغلقاً لسنوات.
فجأة، قاطع صمت المنزل صوت جرس الباب. كانت دقات حادة ومفاجئة جعلتني أنتفض. تركتُ الجريدة وذهبتُ لأفتح الباب، فإذا بي أجد بائع الحليب واقفاً، وجهه شاحب والبرد ينهش أصابعه. رحبتُ به، لكن التساؤلات بدأت تتزاحم في رأسي: "ما الذي أتى به في هذا الوقت؟ لم أطلب شيئاً منه!". أخبرني بصوتٍ خافت، كأنه يخشى أن يسمعه أحد: "شخصٌ غريب أعطاني هذه الرسالة، وأصرَّ أن تصل إليك وحدك". أخذتُ الرسالة منه، كانت ورقة مطوية بخطٍ مرتعش. لم أفتحها فوراً، وضعتها في حقيبتي الجلدية، وأسرعتُ إلى عملي فقد تأخرت كثيراً. ركبتُ سيارتي السوداء، وكانت ملفات العمل تتكدس بجانبي، لكن عقلي كان مشتتاً؛ كنت أتساءل عمن يعرفني ليرسل لي رسالة غامضة في صباحٍ مثل هذا. هل كان الأمر صدفة؟ أم أنني بدأت أجذب الغموض إليّ؟
في مكتبي، جلستُ أتصفح أوراقي. فتحتُ جهاز الكمبيوتر لأتصفح الإنترنت، فربما تراودني أفكار لمواضيع جديدة، فتذكرت ذاك العنوان "الجزيرة الغامضة". كان عنواناً مليئاً بالجاذبية. بحثتُ لبعض الوقت ولم أجد دلائل تشير إليها، لا خرائط، ولا صور. وكأنها جزيرة أشباح.
أنهيتُ دوامي بعد يوم طويل وممل. وعندما هممت بالعودة، اكتشفت أن البنزين لا يكفي لإيصالي. تركت سيارتي في موقع العمل، لكنني وجدتها فرصة جيدة أن آخذ جولة في الحافلة حول المدينة وأتنعم بمناظرها. انتظرتُ في المحطة، رأيت أناساً كثيرين، تساءلت: هل سأجد متسعاً؟ وبعد فترة، أتت الحافلة مزدحمة، لكن لحسن حظي بقي لي المقعد الأخير. صعدتُ متجهاً إلى المنزل، أمسكتُ هاتفي لأوثق يومياتي، فالطريق طويل وأنا أحب مناظر مدينتي البهية.
بعد ساعات، توقفت الحافلة. صعد رجل كبير في السن، يبدو في مقتبل عمره رغم شيبته. نظر إليّ فأشحتُ عنه، ثم نظرتُ نظرة جانبية.. وكان لا يزال يحدق بي، وإذا به فجأة يأتي ويجلس على المقعد الذي بجانبي.
"أهلاً، هل تعرفني؟" قالها بصوتٍ غامض.
"لا، لا أظن ذلك،" أجبتُ بحذر.
"طبعاً أعرفك جيداً، أليس أنت من شركة (باكي آرت) للأخبار؟"
"صحيح."
"أنا ستيفن، ترددت بالذهاب إلى منزلك خوفاً من أنك لن تساعدني أو ترفض سماعي، لذا أرسلتُ لك رسالة."
"أي رسالة؟ أوه تذكرت، لقد أتى بائع الحليب صباح اليوم وبحوزته رسالة، لكنني لم أقرأها بعد.. إذاً أنت صاحب الرسالة؟"
"نعم، لكن بما أننا التقينا، هل تسمح لي بأن أسرد لك قصتي؟"
"بالتأكيد، يمكنك ذلك."
"حسناً يا ماكس، أنا اخترتك لسبب واحد، وهو أنك وضعت إعلاناً تبحث فيه عن شخص ما قد يعرف عن أسطورة الجزيرة الغامضة، ولقد فكرتُ أنك تريد الذهاب إليها. فأنا منذ عام أبحث عن شخص يستطيع الذهاب إلى تلك الجزيرة؛ لقد كانت ابنتي (جينا) تحب المغامرات بجنون، ودائماً تغامر بنفسها وتسافر وحدها، فتأتي بعد عدة أيام من مغامراتها، لكن هذه المرة لم تعد. لقد مرت سنة على اختفائها منذ ذهابها إلى رحلتها للجزيرة. بالتأكيد ستقول لماذا لم أبلغ الشرطة؟ لكنني فعلت ولم يجدِ ذلك نفعاً. الجزيرة غريبة وتختفي في أوقات معينة كما تقول الأسطورة القديمة. جينا بحثت عنها، لا أعرف إذا كانت حقاً موجودة أو مجرد قصة، فهل يمكنك مساعدتي في البحث عنها؟ أريدك أن تبحث عن هذا الموضوع حتى لو كان ذلك يعني ذهابي لها، أنا وحيد، والدتها توفيت منذ عام، وليس لدي أحد يساعدني.. كل ما أريده هو البحث عن مكان هذه الجزيرة، هل يمكنك مساعدتي؟"
"حسناً يا ستيفن، سوف أنظر في الموضوع، لكن أعطني عنوانك ومعلومات عنك حتى أتصل بك إن وجدت شيئاً."
أوقفتُ الحافلة في منتصف طريقي، وأكملتُ سيري مشياً على الأقدام والأفكار تراود مخيلتي. حدثتُ نفسي: "ليلة طويلة، سوف أبحث عن معلومات تفيد المجلة، وأيضاً ستكون مغامرتي الأولى، كم أنا متشوق لذلك!". وصلتُ إلى المنزل، ياه، إنه يوم حافل! مددتُ جسدي المرهق على سريري البارد والتحفتُ بغطائي الدافئ، وبدأت أغوص في أفكاري حول ما سأفعله.
يوم آخر من ليالي الشتاء، وبين طيات أوراقي كانت هناك أفكار تحوم حولي، فقررتُ حزم حقائبي لرحلة إلى تلك الجزيرة.
وبنفس اللحظة جاء اتصال من ستيفن.
"أخبرني أنك وجدت دليلاً يرشدنا إليها."
"نعم، سوف أذهب وبإذن الله سنعرف عنها قريباً."
"إذاً سأذهب برفقتك، لن أحتمل بعد الآن."
كانت أجواء اليوم التالي جميلة، حزمنا الحقائب وذهبنا إلى تلك الجزيرة.
صعدتُ على متن القطار متجهاً إليها، فقد نام ستيفن وظللتُ أفكر، حتى سمعتُ صوت قائد القطار يزمجر لتوقفه عند محطة لقرية صغيرة.
نزلنا بها لعلنا نجد طريقاً مختصراً. رأيتُ أمامنا منازل وبائعين على الطريق، إنها الحياة البسيطة. بدأنا نسأل عن الطريق إلى تلك الجزيرة.
"ستيفن، أنا جائع، هل يمكنك الذهاب وإيجاد طعام لنا؟ فهناك في تلك الزاوية
ربما تجد مطعماً."
"حسناً."
وبينما كنت أشتري طعاماً، سمعتُ بالمصادفة رجلين يتحدثان عن الجزيرة، فاسترقتُ السمع متلهفاً.
"مرحباً أيها الشباب."
"أهلاً أيها الشاب الغريب، ماذا تريد؟"
"أريد معلومات حول جزيرة ما، أتعرفون شيئاً؟"
رد أحدهما بضحكة تملأ وجنتيه: "إنه يسأل عن الموت!" وبسخرية درامية أكمل حديثه.
"أسألكم بجدية، أريد جواباً من فضلكم."
فأخبرتهم بقصة جينا لعل قصتها تحيي ضميرهم، وبعد حديث دار بيننا أعطوني وصفاً لطريق مختصر يوصلني إلى ذلك الغموض.. شكرتهم وعُدتُ إلى صديقي.
سلكنا طريقاً طويلاً نحو جبل أبيض، بعد أن علمنا أن الجزيرة تظهر من خلفه. بعد طريق طويل تعب ستيفن، فاضطررنا للبقاء في أحد الكهوف. كانت ليلة من ليالي الشتاء القارس، وقد اعتلى جسدي البرودة، أشعلتُ ناراً تدفئنا، كان منذ لحظات نهار، ما الذي حدث؟ فجأة دخلنا في ضباب مخيف، لا نرى شيئاً البتة، كل منا دخل في متاهة الضباب، واختفى ستيفن.
كل ما في مخيلتي يحوم بفكري: هل صحيح سوف نضيع بهذا المكان؟ هل اقتربتُ من الجزيرة؟ فجأة أُغمي علي، لا أعرف ما الذي حدث وقتها. صحوتُ وكنتُ ملقى على الأرض. أشحتُ بناظري، وتعالى صوت صراخي وأنا أهتف باسم رفيق دربي: "ستيفن! أين أنت؟". نظرت حولي وإذا بي في تلك الجزيرة، مكان مليء بالطبيعة الجذابة والأشجار الكبيرة، وكأنني في حلم خيالي، بدأتُ أبحث وأتأمل مناظر تلك الزهور البهية. أخذتُ هاتفي أوثق كل شيء، حتى أعود ومعي إثباتات.
دهشة خلفها خوف.. بعد لحظات سمعتُ صوت صراخ وهجوم أرضي، وكأن فيلاً ضخماً انطلق من مرابطه يجري أمامي، فقفز شخص من أعلى الشجرة وكأنه رجل بدائي يتعلق بين أغصانها. أمسكتُ بالهاتف وسقط مني، فنزلتُ على الأرض لألتقطه، وعيني تنظر إلى موضع قدمي، فلما رفعتهما تفاجأت بما رأيت؛ كان الذي يجري فيلاً حقاً، وشخص طويل الشعر ولباس قصير، فدخل في أعماق الغابة. حينها فكرتُ أن ألحق بذلك الفيل.
مشيتُ متجهاً إلى أعماق هذه الجزيرة، وكلما تعمقتُ رأيتُ ازدهاراً واسعاً، مررتُ بنهر جميل المنظر والعشب يملأ جوانبه. كلما اقتربتُ وجدتُ الخيال الذي لن يصدقه العقل، وبجانب النهر وجدتُ والد جينا يناظر البط الذي كان بوسطه، فرحتُ لأنه بخير، لكن الدهشة تعتريه. أمسكتُ به وأخذته مبتعداً عن النهر، وجدتُ كهفاً صغيراً لنبيت فيه.
أشرقت الشمس وتساقطت الثلوج على الأشجار، والأرض أصبحت بيضاء، والمطر ملأ الأرض بهجة. خرجتُ أنظر إلى النهر لأجد فيلاً يشرب منه، وبجانبه شخص. نظرتُ جيداً، فإذا هي حقاً فتاة ذات بشرة جميلة وشعر أسود طويل، فتذكرتُ لربما هذه جينا، يا له من منظر يعكس على قلبي السعادة! وقتها لم أشعر بنفسي إلا وأنا أذهب إليها. بدأتُ أقترب منها رويداً، خفتُ أن تهرب، وصلتُ لها. التفتت، والشعر من نعومته يتطاير مع الهواء، ويالها من نظرة تجذب الناظرين.
"لقد أخفتني، من أنت أيها الغريب؟"
"أنا صحفي يُدعى ماكس، أتيت للبحث عن فتاة ضائعة في إحدى زوايا هذه الجزيرة."
فقالت بسخرية: "لقد كنتُ هنا منذ أعوام، لا أرى شخصاً أتى هنا غيرك!"
"كيف تعيشين في هذا المكان لوحدك؟"
"لستُ وحدي."
"من هنا غيرك؟"
"لدي حيواني الأليف الفيل والطبيعة الخلابة."
فصمتُّ للحظة، فقطع الصمت صوت شخص يصرخ من بعيد: "جينا! جينا ابنتي!". أتى والد جينا وعرف أن تلك الفتاة هي ابنته المفقودة. ولكن جينا بعد صدمة ودهشة، عرفنا أنها فقدت ذاكرتها وضاعت في هذا المكان العجيب وربت هذا الفيل. لم نعرف ما الذي حصل معها بالضبط، فهناك قصص ليس لها نهاية واضحة، غير أننا نجد المفقودين ولا نجد الفقد الذي استولى عليهم.
وغموض قصتنا هو سر اختفاء أشخاص نجدهم لكننا لا نعرف الأسرار خلف اختفائهم أو ما الذي حصل معهم؛ فعلينا دوماً أن نبحث عن الأشخاص الذين اختفوا، لربما نجدهم كالفتاة جينا، فلا تنسَ قطعة من رحمك تضيع دون البحث عنها، لأن هناك من لا يفقد الأمل بالبحث.
كانت هذه قصتي تم نشرها في مجلتي، الآن أنا ماكس أصبحت في منصب جديد.
وما زالت الجزيرة، بضبابها وأشجارها العملاقة وفيلها الوديع، تسكن في مخيلتي كحلمٍ أبدي. أحياناً، في ليالي الشتاء الصامتة، أجلس أمام مكتبي وأفتح خريطتي، أنظر إلى تلك البقعة التي لا اسم لها، وأتساءل: هل كانت جينا حقيقةً أم طيفاً؟ وهل ما عشته كان مجرد رحلة، أم كان قدراً مكتوباً لي أن أكتشفه؟ إنها الرحلة التي لم تنتهِ بكلمة "النهاية"، بل بدأت فصلاً جديداً من التساؤلات التي لا تنتهي.
أنا اليوم لستُ ماكس القديم، الموظف البسيط في شركة الأخبار. أنا ماكس الذي عرف أن خلف الأوراق، خلف الأخبار، وخلف المنطق، توجد عوالم أخرى تنتظر من يجرؤ على الاقتراب.
ربما أعود يوماً ما، ليس للعمل، بل للبحث عن "الفقد" نفسه، عن ذلك الجزء من الروح الذي يضيع في غياهب المجهول.
شكراً لكل من قرأ، وكل من آمن أن هناك حكايا لا تروى إلا بالصمت، ولا تكتشف إلا بالقلب.
#مداد_الرها

ماشاء الله قصة جميلة وفيه كمية احساس ابدع قلمكِ
ردحذف