رماد الشاي


 

في بعض الأحيان، أحبّ الغوص في تفاصيل التفاصيل، لدرجة أنني أعيد تسخين الشاي الأحمر في كل مرة أتذوقه فيها، ومعه بعض البسكويت صغير الحجم واللذيذ، الممزوج بنكهة الفراولة. وضعت ذلك الكأس على الطاولة الخشبية التي لطالما كانت موجودة منذ زمن جدي في حجرتي، وأحضرت ورقة كبيرة من الكراسة وقلمًا أسود، وبدأت أرسم ذلك المشهد الذي بقي في الماضي العتيق يتلون بالتلاشي؛ ماضٍ لا يزال محفورًا بين جدران هذه الحجرة.

بعد كل رشفة من الكأس، أعود إلى المكان الذي لم أكن فيه يوماً سعيدًا. ذكريات وأفكار تحوم في ذلك الوقت من الزمن، ولم أجد سوى تلك اللحظات المؤلمة مرمية على صفحات التاريخ الأزلي. لقد أخبرتني أمي ذات مرة بأن هناك من لا يقدر قيمتي في هذه الحياة مهما فعلت من معروف وخير، وسأجد من يكرهني ويجعلني أشعر بأنني مجرد صفحة مطوية من حياته.

وبعد جلسة طويلة، تصاعدت الحيرة في داخلي، وبينما كنت في تفكير عميق، نظرت إلى تلك الكراسة التي أصبحت لوحة لم أتوقع رسمها: عجوز ملقاة على الطريق، وبين أحضانها طفل رضيع، وسيارات الإسعاف تحيط بها، وفي زاوية أخرى، كان هناك رجل يقف على حافة الطريق ينظر إليها! انتابني الخوف والقلق من هذا الشيء الغريب الذي رسمته، فكيف خطت يداي هذه الصورة؟ بعد بضع دقائق، تذكرت حادثة جدتي المتوفاة، لكنها ماتت في المنزل حينما انقطعت أنفاسها الأخيرة... صمدت للحظات، ومن بعدها تركت مكاني وغادرت الحجرة.

ذهبت إلى المطبخ لإعداد الغداء؛ فقد شعرت بالجوع الشديد ولم يكن هناك أحد غيري في المنزل. أنا طباخ بارع في زمن مات فيه الصالحون، لا أحب شراء الأطعمة الجاهزة لأنني أؤمن بأنها غير مفيدة لي. قطعت البصل، وأحضرت الطماطم، وطهوت الدجاج على النار، وبينما أغلقت الغاز بعد أن وضعت المكونات في الوعاء، سمعت صوت طرقات على الباب، فاستغربت: من يكون يا ترى؟

نظرت من شق الباب، فرأيته واقفًا؛ شخص غريب لأول مرة أرى وجهه. فتحت له الباب، فإذ به رجل في مقتبل العمر، يرتدي قميصًا أسود طويلًا وقبعة بيضاء. رحبت به، فدخل إلى الصالة.

فجأة، سحب سكينًا وهاجمني! ثم طعنني في بطني مرتين بوحشية وقسوة. لم يكن يدور في عقله سوى رغبة عارمة في قتلي. لم أفهم ما الذي يحدث لي، ومن هذا الرجل؟ كان كل شيء كالضباب يغشّى عقلي. حاولت الدفاع عن نفسي ودفعه إلى الوراء، ولكنني... لم أستطع.

#مداد_الرها


تعليقات

المشاركات الشائعة