سلامٌ يغلغلُ الرياحَ الشماليةَ الغربية، وعلى نهج السطور تلذذت الكلماتُ العبقة، وسراديب الحياة الطويلة. بين أغصان الجليد الذائبة، شجرةٌ مثمرةٌ، ولا عقيق يجول في الدار غير سلامتك، تراحيبُ ماطرةٌ وعذبُ الحروف العربية تتجلى إليك، وإن لم تكن موجوداً، فخطُّ القلبِ بلا مأوى يخبؤه، فرفرفت حروفي لك وحدك تسرد آمالي بك، وأرسلها بكل كلمة تقبع خلف قلبي..
أما بعد.. فتأتي تلك الحروف العبقة، أسترسلها بكل حُبٍ وبهجةٍ، لذاك الذي وقع بين عقلي وجمجمتي. ذكرياتك أستشعر بها في كل لحظة أعيشها، مررت بكل الأحوال الضائعة، وعشت كل يومٍ دونك وكأنه دهرٌ من عمري. كنتَ هناك عندما ترممتُ، نسجتُ أجمل الصور والجلسات فيك، سردتُ أبهى الحكايات، ورسمتها لوحةً على ذراعك، وعلى وجهك الذي جعلته متلوناً. كنتُ كالصفحات على أرفف المكتبات التي ملأها الغبار وتلاشت، لقد أصبحتُ حزينةً بسبب انعدامك؛ إلى متى لا نستطيع أن نجعلك تستقر في مكانك ولا تُمحى شخابيطي عليك؟ فلم يعد لتلك الأشياء طعمٌ بعد الآن. جلستي التي كنت أحتسي فيها الشاي، والأكلات بين شذى روحك، وترميمٌ لا يزال محفوراً بقلبي في سرداب الذاكرة.. اندفنتُ بعد رحيلك القاتل وغربتك المُظلمة. أيا ليت الزمن يعود بي يوماً، فأمسح على خدود آمالي بك من أمل يومٍ جديد، وأبقيك بين ثنايا المحبة في مكانٍ لا يتغير فيه شيء. كاد فؤادي يخرج من صراخه ويعتلي الأرض وما فيها، لم أعد أعرف ما الذي أرسله إليك، كل ما في الأمر أن حفرة مكانك خاليةٌ لبديلٍ شقَّ أرضي كرهاً، لا أريد غيرك يقبع بذكرياتي. أتذكر عندما تتغزل بي وتسمح لي أن أخط أجمل العبارات؟ كانت من أجملها "أنت". أتعرف المدى الذي كنتُ أسعد الناس فيه؟ أنني عرفت ذلك المكان الذي يحتويني بعيداً عن شوشرة البشرية. أعشاش العناكب كانت من أجملها، قصصي سردتها أمامك، لم أبتغِ التغيير بتاتاً، تمنيتُ لو أنني رحلتُ برفقتك، لكنك موجودٌ من العدم، ومكانك صعد إليه شخصٌ آخر، ولكن محو ذكرياتي أتعبني بشدة. العزلة والكآبة كانتا بين يديك كالفراشات التي وجدت مسكنها أعلى الزهور المُزدهرة. يا سرداب مدفن ذكراي الحميمة، أريد منك فقط أن تحتفظ بتلك اللحظات والأيام بين جدارك الترابي، لم أعد لذلك المكان بعد الآن، فقد سافرت لمكانٍ من بعد الترميم، إزالةٌ كانت بين أغصانه أنت، وسأقوم بباقي الأزمان بتجديدٍ يسقي مكانك في ذاكرتك المدفونة بين التربة والأسمنت، فلن يبقى جدار كما عهدتك، لكنك تحمل أجود صفحات قصصي محفورةً بقلبك. ليتني أستطيع مساعدتك بعدم الترميم، لكنك تعرف أن الزمن غدارٌ وأصبحتَ رثاً مليئاً بالغبار والتكسر، والحسرة التي تمنيت وقتها لو أعود إليها.
وفي ودائع الحروف والكلمات، أسترسل خالص المحبة إليك، لكنني سعيدة بأن تكون بخير ويتجدد كيانك الأبيض من طوبٍ أحمر متلون.
يا سرداب منزلي، فلن يعرفك غيري بتلك الذكرى المدفونة بين غصن الماضي، وعسى أن أكون قد خلّصتُ تلك الرسالة العابرة لك. الود لمكانك وذكرياته.
